الصفحة 122 من 907

ألبسها به الرشاد برده، ولَعَمْري إن التصنيف لأرفعها مكانًا، لأنه أطولها زمانًا، وأدومها إذا مات أحيانًا، ولذلك لا يخلو وقتٌ يمر بنا خاليًا عن التصنيف، ولا يخلو إلا وقد تقلد عقد جواهِره التأليف، ولا يخلو علينا الدهر ساعة فراغ إلا ونُكِل فيها القلم بالترتيب والترصيف). وقال الشيخ بدر الدين الزركشي [1] : (من فروض الكفاية تصنيف الكتب لمن منحه الله فهمًا واطلاعًا، ولن تزال هذه الأمة، مع قصر أعمارها في ازديادٍ وترقٍّ في المواهب، والعلم لا يحل كتمه، فلو ترك التصنيف، لضيع العلم على الناس) . قال النووي في (شرح المهذب) في باب: آداب العالم: (وينبغي أن يعتني بالتصنيف إذا تأهل له فيه، يَطّلع على حقائق العلم ودقائقه، ويثبت معه، لأنه يضطره إلى كثرة التفتيش، والمطالعة، والتحقيق، والمراجعة، والاضطلاع على مختلف كلام الأئمة، ومتفقه، وواضحه، على مشكله، وصحيحه، عن ضعيفه، وجزله، عن ركيكه، وما لا اعتراض، وبه يتصف المحقق بصفة المجتهد، وليحذر كل الحذر أن يشرع في تصنيف ما لم يتأهل له، فإن ذلك يضره في دينه، وعلمه وعرضه، وليحذر أيضًا من إخراج تصنيفه من يده إلا بعد تهذيبه، وترداد نظره فيه وتكريره. وليحرص على إيضاح العبارة وإيجازها فلا يوضح إيضاحًا ينتهي إلى الركاكة، ولا يوجز إيجازًا يفضي إلى المحق والاستغلاق. وينبغي أن يكون اعتناؤه من التصنيف بما لم يسبق إليه أكثر، والمراد بهذا أن لا يكون مصنف يغني عن مصنفه في جميع أساليبه، فإن أغنى عن بعضها، فليصنف من جنسه ما يزيد زيادات يحتفل بها مع ضم ما فاته من الأساليب، وليكن تصنيفه فيما يعمّ الانتفاع به، ويكثر الاحتجاج إليه) . كان ابن عرفة يقول في قوله - صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث .. أو علم ينتفع به) : (إنما تدخل التآليف في ذلك إذا اشتملت على فائدة زائدة وإلا فذلك تخسير للكاغد) . وقال أحمد بن عبد العزيز الهلالي في (نور البصر شرح مقدمة المختصر) :

في سبعة حَصَرُوا مَقَاصد العُقلا * من التأليف فاحفظها تنل أملا

(1) -كما في (قواعده) (3/ 35) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت