و (أن يرسل المحدث عمن قد عرف الناس أنه لم يدركهُ أو: لم يلقه فلا إيهام فيه فلا تدليس. وعادة أئمة الحديث إذا كان الرجل ممن يكثر منه هذا الإرسال أن ينصوا على أسماء الذين روى عنهم ولم يسمع منهم، كما تراه في تراجم [1] مكحول، والحسن البصري، وأبي قلابة عبد الله بن زيد وغيرهم ... والحكم عندهم فيمن ليس بمدلس ولكنه قد يرسل لا على سبيل الإيهام أن عنعنته [2] محمولة على السماع إلا إن تبين أنه لم يسمع ...
فحيث وجدنا دليلًا واضحًا على عدم السماع فذاك، فحيث لم نجد كان الحكم هو السماع ألا ترى أن الثقة قد يخطئ، ومع ذلك فروايته محمولة على الصواب ما لم يقم دليل واضح على الخطأ، فأولى من ذلك أن يحكم بالاتصال [3] في حديث من لم يعرف عنه إلا الإرسال حيث لا إيهام، لأن المخطئ قد يخطئ حيث
(1) -فائدة: مراسيل عطاء والحسن لا يحتج بها، لأنهما كانا يأخذان عن كل أحد، وكذلك مراسيل أبي قلابة وأبي العالية. ولا يقبل تدليس الأعمش لأنه يحيل على غير ثقة. ويقبل تدليس ابن عيينة، لأنه إذا وقف أحال على ابن جريج ومعمر، ونظائرهما، وقال يحيى بن معين: كان هشيم والأعمش والوليد بن مسلم مدلسين.
وقال ابن عبد البر في (التمهيد) (1/ 30 /31) : (والتدليس في أهل الكوفة كثير، ولم يكن بالكوفة أحد إلا وهو يدلس، إلا مِسعرًا وشريكًا) . انظر: (معرفة علوم الحديث) (ص:211/ 212) ، قال علي بن المديني: (مرسلات يحيى بن أبي كثير شبه الريح، ومرسلات الحسن البصري التي رواها عنه الثقات، صحاح، ما أقل تدليسه) .
وقال أبو زرعة: كل شيء قال الحسن: قال رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، وجدت له أصلًا ثابتًا، ما خلا أربعة أحاديث ... وقد تكلم غير واحد من السلف في مراسيل الحسن منهم: ابن سيرين، والإمام أحمد، وغيرهما.
انظر: (المنتخب من: العلل للخلال) (ص:153) لابن قدامة المقدسي، و (شرح علل الترمذي) لابن رجب (1/ 536/539) ، و (الكامل) (1/ 228) لابن عدي، و (المعرفة والتاريخ) (2/ 32) ، و (تهذيب الكمال) (2/ 114 - وما بعدها) ، و (تاريخ الإسلام-وفيات101/ 120 - ص:48) ، و (سير أعلام النبلاء) (4/ 563/588) ، وحاشية (علل ابن المديني) (ص:91 - تحقيق: حسام) انتهى من كتاب: (ذاكرة سجين مكافح) (1/ 77) لشيخنا أبي الفضل.
(2) -فائدة: قال الألباني في (الإرواء) (1/ 124) : (فإنه لا يجوز تضعيف حديث الثقة لا سيما إذا كان إمامًا جليلًا كالأوزاعي، بمجرد دعوى عدم السماع، ولذلك فنحن على الأصل، وهو صحة حديث الثقة حتى يتبين انقطاعه) . كما في كتاب: (ذاكرة سجين مكافح) (1/ 40) .
(3) -قال الذهبي في (تذكرة الحفاظ) (2/ 215) عن البغداديين الذين ربما رفعوا الموقوف ووصلوا المرسل، وزادوا في الأسانيد: (ربما فعلوا ذلك إذا ثبت عندهم الرفع أو: الوصل، ولا ريب أن هذا ترخص لا ينبغي) . كما في: (ذاكرة سجين مكافح) (1/ 69) .