وقال أيضًا-رحمه الله تعالى: (ما رأيت الكذب في أحد أكثر منه فيمن ينسب إلى الخير) .
لا يفهم من هذا أنهم يتعمدون الكذب-حاشهم من ذلك-بل: الشأن فيهم كما قال البيهقي: (لأنهم اشتغلوا بالعبادة عن ضبط الحديث وإتقانه فأدخل عليهم الكذابون ما ليس من حديثهم، ومنهم قوم توهموا أن في وضع الأحاديث في الترغيب أجرًا وجهلوا ما في الكذب على رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-من كبير الإثم) [1] .
وقال ربيعة-رحمه الله تعالى، ونفعنا بعلومه-: (من إخواننا من نرجو بركة دعائه ولو شهد عندنا على شهادة ما قبلنا-أي: شهادته) .
واشترط الإمام الشافعي-رحمه الله تعالى، ونفعنا بعلومه-أن يكون حافظًا إن حدث من حفظه، حافظًا لكتابه إن حدث من كتابه، لئلا يدخل عليه ما ليس من حديثه. وصح عن شيخه مالك نحو هذا.
لكن بلفظ: (تُسْتَمطر بذكرهم الرحمات، ما أخذت عنهم شيئًا-إنه الدين) .
ولهذا تراهم يقولون دائمًا فلان صالح-أي: في نفسه، ودينه وعبادته وزهدته-وفي الحديث واه.
قال أبو حاتم-رحمه الله تعالى، ونفعنا بعلومه-: (عبد الله بن إبراهيم الغفاري) : (كان في نفسه صالحًا، وفي الحديث واه) [2] .
ومن ذلك قول ابن الصلاح-رحمه الله تعالى، ونفعنا بعلومه-: (ولا تقبل رواية من كثرت الشواذ والمناكير في حديثه) .
(1) -انظر: حقيقة الموضوع وأماراته وحكمه، وأصناف الوضاعين في كتاب: (تذكرة الطالبين، في بيان الموضوع وأصناف الوضاعين) . لشيخ شيخنا المحدث محمد الأثيوبي المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة.
(2) -على أن الذهبي قال في: (السير) (13/ 260) : ( .. إذا وثق أبو حاتم رجلًا فتمسك بقوله، فإنه لا يوثق إلا رجلًا صحيح الحديث، وإذا لين رجلًا، أو قال فيه: لا يحتج به فتوقف حتى تنظر ما قال غيره فيه، فإن وثقه أحد، فلا تبْن على تجريح أبي حاتم، فإنه متعنت في الرجال، قد قال في طائفة من رجال(الصحاح) : ليس بحجة، ليس بقوي، ونحو ذلك).
انظر: (هدي الساري) (ص:441) ، ترجمة (محمد بن أبي عدي البصري) ، و (ص:461/ 462) ، و (توجيه القاري) (17/ 336) . و (الميزان) (1/ 274/432) ، و (لسانه) (1/ 492) ، و (التلخيص الحبير) (3/ 10) ، و (فتح المغيث) (981) ، و (شرح علل الترمذي) (1/ 192) . انتهى من كتاب: (ذاكرة سجين مكافح) (1/ 88) .