(الإسناد عندي من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء: ما شاء، ولكن إذا قيل له: من حَدَّثك؟ بَقي!(أي: بقي ساكتًا مُفْحَمًا) .
قال عبدان-رحمه الله-: ذكر-أي: شيخه ابن المبارك-هذا عند الزنادقة وما يضعون من الأحاديث). وقد ذكر الحاكم في كتابه (معرفة علوم الحديث) [1] -بعد كلام ابن المبارك السابق-ما نصه: (فلولا الإسناد وطلب هذه الطائفة له، وكثرة مواظبتهم على حفظه، لدَرس منارُ الإسلام، وتمكن أهل الإلحاد والبدع منه، بوضع الأحاديث، وقلب الأسانيد، فإن الأخبار إذا تعرّت عن وجود الإسناد فيها كانت بُتْرًا) . وقال أبو نصر بن سَلاَم-رحمه الله تعالى-: (ليس شيء أثقل على أهل الإلحاد ولا أبغض إليهم من سماع الحديث، وروايته، وإسناده) . كذا ذكره صاحب (الخلاصة) [2] .
قال علي القاري في: (شرح شرح النخبة) [3] : (ثم اعلم أن أصل الإسناد خَصِيصَة فاضلة من خصائص هذه الأمة، وسنة بالغة من السنن المؤكدة، بل: من فروض الكفاية ... قال الثوري:(الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح لم يقدر أن يقاتل) .
وقال مطر: في قوله تعالى: (أوْ أثارة من علم) [4] . (أي: إسناد الحديث) . ثم قال: (وأما ما قاله بعضُ أكابر الصوفية من أن حدثنا، باب من أبواب الدنيا، فمحلّه إذا كان الغرض منه حصول غرض دنيّ أو: غرض دنيوي) . كذا قال.
والصواب أن يقال: فمحلّه الجهل بعلم الإسناد، ولا سيما والصوفية يرون أن من يطلب العلم لن يفلح أبدًا .. كما بين ذلك شيخنا أبو الفضل-فك الله أسره-في: (الإتحاف) ، و (شفاء النبريح ... ) .
(1) -كما في: (ص:6) .
(2) -كما في: (ص:33) .
(3) -كما في: (ص:617/ 618)
(4) -سورة الأحقاف، الآية رقم:4.