وفي قبول رواية المبتدع كلام طويل ليس هذا محله وإن كان الراجح قبولها، ولو كان الراوي داعية إلى بدعته فهذا أبو يحيى عبد الرحمن الحماني داعية الإرجاء [1] روى عنه البخاري في: (صحيحه) ، وروى عنه مسلم في (المقدمة) .
وروى البخاري أيضًا عن داعية الخوارج عمران بن حِطان، وكذا روى عن غيرهما من الدعاة فدل ذلك كله على قوة القول بالقبول حتى في الداعية المتصف بالديانة والصدق. قال الآمدي في (أحكامه) : (قبول رواية المبتدع الذي يحرم الكذب هو قول الشافعي وأصحابه وأكثر الفقهاء وكثير من الأصوليين) . قال أبو داود: (ليس في أهل الأهواء أصح حديثًا من الخوارج، ثم ذكر عِمران بن حطان، وأبا حسان الأعرج) [2] . قال الأوزعي: (ما ذهاب العلم إلا ذهاب الإسناد) [3] .
المستهزيء بالإسناد أكفر من اليهود والنصارى:
وقد سخر بعض الملحدين بالسند قائلًا: (حدثنا محبط عن محبط عن جاهل) ، وقالوا أيضًا: (حدثنا الشيخ إمام عن صالح بن عبد الحي عن سيد بن درويش عن أبيه عن جده) .
(1) -قال الحافظ-رحمه الله-في: (التقريب) (2/ 300/301/رقم:3771 - و"3/ 295/حرف الياء"-مع التحرير) : ( ... صدوق يحطئُ رُمي بالإرجاء، من التاسعة ... خ م-قالت أم الفضل: مسلم روى له في:"المقدمة"فقط. تنبه) . وقال الأرناؤوط وعواد عند قول الحافظ: (صدوق يحطئُ رُمي بالإرجاء) : (بل: صدوق حسن الحديث، وهو إلى التوثيق أقرب، فقد وثقه:
1 -ابن معين،
2 -والنسائي في رواية،
3 -وابن قانع،
4 -وذكره ابن حبان في:"الثقات"،
وضعفه أحمد-فيما قيل-، وابن سعد، والعجلي، ولعلهم ضعفوه لأجل ما رمي به من الإرجاء، وفي هذا التضعيف ما فيه بسبب العقائد، كما يظهر من تفاصيل أقوالهم فيه.
وقد روى له البخاري حديثًا واحدًا في: (فضائل القرآن) (5048) من روايته عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة، عن أبي موسى في قول النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-:"لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود". وهذا الحديث قد رواه مسلم (793) من طريق أخرى عن أبي بردة، عن أبي موسى، وهو حديث صحيح معروف).
(2) -انظر: (السير) (4/ 214) .
(3) -كما في: (مقدمة التمهيد) (ص:63) لابن عبد البر.