الصفحة 77 من 907

فإن كان حقًا فالمقالة غيبة * وإن كان كِذْبًا فالعذاب شديد

ورد ابن معين على هذا المعتزلي الخبيث قائلًا: (لأن يكونوا خصمائي خير من أن يكون خصمي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتركي الذب عن سنته، أو: كما قال) . كما في (العلم الشامخ) [1] (ص:388 - تحت عنوان:(الجرح والتعديل غير غيبة) [2] -ويشبه كلام ابن معين- قول يحيى بن سعيد حين قيل له: (أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند الله؟ قال: ذاك أحب إلي من أن يكون رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-يقول لي: لِمَ حدثت عني بحديث ترى أنه كذب؟) .

قلت: ليس هذا من الغيبة، إن كانت النية خالصة لله في نصيحة المسلمين وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة.

ومن ذلك ما احتج به البخاري على غيبة أهل الفساد والرَّيْب بقوله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-في عيينة بن حصن لما استأذن عليه: (بئس أخو العشيرة) [3] .

ومنه أيضًا: خبر عتبان بن مالك في إنكار المنكر المظنون وفي (الصحيحين) -في قصة تخلف كعب بن مالك عن غزوة تبوك-أن رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-قال: (ما فعل كعب بن مالك؟) ، فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه والنظر في عطفيه، فقال معاذ بن جبل: بئس ما فلت. فسكت رسول الله [4] .

ومنه قول هند للنبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: (إن أبا سفيان رجل شحيح) [5] . ومنه قول الحضرمي والكندي للنبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-لما قال له: (لك يمينه) ، فقال: يا رسول الله: إنه رجل فاجر لا يبالي [6] . وهناك أحاديث كثيرة في الموضوع أعرضنا عنها اختصارًا.

قال أبو طالب: سئل أبو عبد الله عن الرجل يسأل الرجل يخطب إليه فيسأل عنه فيكون رجل سوء فيخبره مثل ما أخبر النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-حين قال لفاطمة: (معاوية عائل، وأبو جهم عصاه على عاتقه) [7] .

(1) -قال الشيخ الألباني في حاشية (رفع الأستار) (ص:141) عن (العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء والمشايخ) : (كتاب عظيم فيه بحوث هامة في علوم الكلام والعقيدة ... ومؤلفه عالم فاضل محقق، من زيودية اليمن المتحررين أمثال المؤلف: الصنعاني والشوكاني رحمهم الله تعالى) .

(2) -والكتاب نفيس كما قال شيخ شيخنا الألباني-لولا ما فيه من الهنات وهي كثيرة: من ذلك: استدلاله بالأحاديث الضعيفة وهي كثيرة، وانتقاده لأحمد، وابن معين، وابن المديني، والذهبي بأسلوب جارح وشديد في ردهم روايات بعض المبتدعة، وقبول رواية بعضهم-والمسألة قابلة للأخذ والرد-وشكه في عدالة الصحابة كما هي عادة الشيعة، وإضافة مذهب الزيدية إلى نفسه بعد أن تبرأ منه، وأنه يقول بقول المعتزلة والأشاعرة في بعض مسائل القدر، وأنه ينسب بعض الكتب لغير أصحابها كما قال في: (ص:29) : (وأما من الناظرين في الكلام فلم أظفر بالتصريح بهذه المقالة إلا لابن تيمية في كتاب سماه:(مفتاح دار السعادة) .

مع أن الكتاب والقول ليس لابن تيمية بل: هو لتلميذه ابن القيم، وذكر في (الأرواح النوافخ لآثار إيثار الآباء والمشايخ) (ص:576) تحت عنوان: (نكتة نفي كونه تعالى ظلامًا) ما لفظه: (ولقد كنت مستشكلًا للمبالغة في نحو قوله:(وما ربك بظلام للعبيد) .

إذ ظاهر الأمر أن نفي المبالغة لا يستلزم نفي أصل الفعل بل: ربما يشعر بثبوته ولو في بعض المقامات، وأيضًا: نفي أصل الفعل أظهر في المدح، وعليه (أن الله لا يظلم مثقال ذرة) . ويناظره باعتبار (لا تأخذه سنة ولا نوم) ، حيث قدم السنة مثل (لا يغادر صغيرة ولا كبيرة) .

ولم يقنعني قولهم إنه مبالغة في النفي لا في المنفي لأن ذلك منهم مجرد دعوى لمعنىً صحيح بل: دليل عليه، وسألت من لقيت وغاية فاضلنا أن يفهم ما قاله مولانا سعد الدين وأضرابه فرأيت بعد حين لبعض المتأخرين كلامًا معناه: أن صفات الباري لا تكون إلا في غاية الكمال فلو اتصف بماهية الظلم تعالى عن ذلك لما كان إلا القدر الذي يعبر عنه بصيغة المبالغة في النفي على ذلك. ونعم ما قال، وتبقى المبالغة على ظاهرها في المنفي ثم ظهر لي وجه أحسن من ذلك وهو أن قبح القبيح من الله تعالى أعظم منه من خلقه فناسب أن يعبر عنه بالمبالغة تنبيهًا على ذلك أي: لو وقع منه تعالى لكان حقيقًا أن يعبر عنه بلفظ المبالغة). الخ. مع أن هذا الأسلوب للنَّسبة وليس للمبالغة (وما ربك بظلام) أي: بمنسوب للظُّلم قال ابن مالك:

(ومع فاعلٍ وفَعَّلٍ فَعِلَ ... في نَسَبٍ أغنى عن اليا فقُبِلْ)

ومآخذ أخرى جاءت من رواسب نشأته البدعية، وهو مأجور لأنه لم يقصد بكلامه البدعة بل: أراد الحق والدفاع عنه، فخانه الصواب في بعض الأشياء. والله أعلم).

(3) -رواه البخاري رقم:6032/ ومسلم في البر والصلة:73).

(4) -رواه البخاري رقم: (388) ، ومسلم رقم: (2769) .

(5) -رواه البخاري رقم: (2460) ، ومسلم في الأقضية رقم: (2769) .

(6) -رواه مسلم في كتاب الإيمان رقم: (139) .

(7) -رواه مسلم في كتاب الطلاق:47).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت