كما سمعت من شيخنا أبي الفضل-ويقول: أشتهي أن أقع على شيخ عنده بيت ملىء كتبًا، أكتب عنه وحدي ... وكان منهجه في هذا الجمع، كما يقول: (إذا كتبت فقمّش. وإذا حدثت ففتِّش) [1] .
ويقول: (سيندم المنتخب في الحديث حين لا ينفعه الندم) . قال أبوحاتم: قدمنا البصرة، وكان يحيى بن معين قدم قبل قدومنا بسنة، فلزم أبا سلمة التبوذكي، فكتب عنه قريبًا من ثلاثين أو: أربعين ألف حديث. قال محمد بن إبراهيم: جاء يحيى بن معين إلى عفان ليسمع منه كتب حماد بن سلمة، فقال له: ما سمعتها من أحد؟ قال: نعم، حدثني سبعة عشر نفسًا عن حماد بن سلمة. فقال: والله ماحدثتك، فقال: إنما هو درهم، وأنحدر إلى البصرة، وأسمع من التبوذكي، فقال: شأنك، فانحدر إلى البصرة وجاء إلى موسى بن إسماعيل، فقال له موسى: لم تسمع هذه الكتب عن أحد؟ قال: سمعتها على الوجه من سبعة عشر نفسًا، وأنت الثامن عشر.
فقال: وماذا تصنع بهذا؟ فقال: إن حماد بن سلمة كان يخطئ، فأردت أن أميز خطأه من خطأ غيره. فإذا رأيت أصحابه قد اجتمعوا على شيء علمت أن الخطأ من حماد نفسه، وإذا اجتمعوا على شيء عنه، وقال واحد منهم بخلافهم، علمت أن الخطأ منه لا من حماد، فأُميز بين ما أخطأ فيه هو بنفسه، وبين ما أخطىء عليه ...
وقيل ليحيى بن معين: الاختلاف الذي جاء عن يحيى بن أبي كثير، هو منه أو: من أصحابه؟ فقال: من أصحابه. قيل له: من أحبّ إليك في يحيى بن أبي كثير؟ قال الأوزاعي، وهشام الدستوائي.
قيل له: فأبان بن يزيد؟ قال: وأبان بن يزيد، ليس به بأس ... ولذا كان يحيى بن معين يكتب الحديث نيّفًا وخمسين مرة ... قال عصام بن داود: سمعت يحيى بن معين يقول: وأي صاحب حديث، لا يكتب عن كذاب ألف حديث؟ عني بذلك النقاد من المحدثين.
(1) -فقمش: قمش القماش: جمعه من هنا ومن هنا، وهو ما على وجه الأرض من فتات الأشياء. (التاج) (4/ 340) ، والمراد هنا جمع الأحاديث من كل الطرق لدراستها بعد ذلك وتمييز الصحيح من غيره.