ورآه أحمد بن حنبل-بصنعاء-وهو يكتب صحيفة معمر، عن أبان، عن أنس، فإذا طلع عليه إنسان كتمه، فقال له أحمد: تكتب صحيفة معمر عن أبان، عن أنس، وتعلم أنها موضوعة؟ فلو قال لك قائل: أنت تتكلم في أبان، ثم تكتب حديثه على الوجه؟ فقال: رحمك الله يا أبا عبد الله، أكتب هذه الصحيفة عن عبد الرزاق عن معمر على الوجه فأحفظها كلها، وأعلم أنها موضوعة، حتى لا يجيء إنسان بعده، فيجعل أبان ثابتًا، يرويها عن معمر عن ثابت لا عن أبان ... وكان يقول: (كتبنا عن الكذابين، وسجّرنا به التنور، وأخرجنا به خبزًا نضيجًا) .
وقد قدرت مكتبته بعد موته بثلاثين قمطرًا. وعشرين حبًّا. وطلب يحيى بن أكثم كتبه بمائتي دينار، فلم يدع أبو خيثمة أن تباع. وقيل: إن ماخلفه كان أربعة عشر ومائة قمطر مملوءة كتبًا [1] ...
وكان يقول: (من لم يخطئ في الحديث، فهو كذاب) . و (من لم يكن سمحًا في الحديث كان كذابًا، قيل له: وكيف يكون سمحًا؟ قال: إذا شك في الحديث تركه) ...
ويقول: (ما رأيت على رجل قط خطأ إلا سترته، وأحببت أن أُزيّن أمره، وما استقبلت رجلًا في وجهه بأمر يكرهه، ولكن أبَيِّن له خطأه فيما بيني وبينه، فإن قبل ذلك، وإلا تركته) [2] ...
يقول بهاء الدين بن النحاس الحلبي-كما في ترجمته في (بغية الوعاء) للسيوطي [3] :
اليوم شيء وغدًا مثلُه * من نُخَبِ العلم تُلتقط
يُحَصِّلُ المرء بها حكمةً * وإنما السَّيل اجتماع النُّقط
حتى إن الأعداء اغترفوا واعترفوا ونطقوا بالثناء على هذا العلم وأهله يقول الدكتور سبرنجر: (يحق للمسلمين أن يفتخروا بعلم الرجال كما شاءوا. فلم توجد أمَّة في الماضي ولا في الحاضر دونت تراجم
(1) -انظر: (تاريخ) ابن معين (1/ 54/55/ 56/57/ 61) .
(2) -وانظر: كم كتب من الأحاديث بيده، وماذا يشتهي عند ما كان يحتضر في (تاريخه 1/ 54/55)
(3) -كما في: (ص:6) .