ومما تواضع عليه هؤلاء الصحابة أنهم كانوا لا يكتبون في هذه المصاحف إلا ما تحققوا أنه قرآن وعلموا أنه قد استقر في العرضة الأخيرة و ما أيقنوا صحته عن النبي صلى الله عليه وسلم مما لم ينسخ. وتركوا ما سوى ذلك نحو قراءة (فامضوا إلى ذكر الله) بدل كلمة {فَاسَعَوْا} ونحو {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَاخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} بزيادة كلمة صالحة إلى غير ذلك. اهـ
و قد مثّل ابن الجزري بتلك القراءة المذكورة آنفا للقسم الثاني من القراءات، و هو - كما قال الإمام مكي بن أبي طالب في"الكشف عن وجوه القراءات"- ما صحّ نقله عن الآحاد وصحّ وجهه في العربية وخالف لفظه خط المصحف، قال هذا يُقبل ولا يُقرأ به لِعلّتيْن: إحداهما: أنه لم يؤخذ بإجماع، إنما أخذ بأخبار الآحاد ولا يثبت قرآن يُقرأ به بخبر الواحد، والعلة الثانية: أنه مخالف لما قد أُجمِع عليه فلا يُقطع على مغيبه وصحته ومالم يُقطع على صحته لا يجوز القراءة به، ولا يكفر من جحده، ولبئس ما صنع إذا جحده. قال ابن الجزري في"النَشر": ومثال القسم الثاني قراءة عبد الله بن مسعود وأبي الدرداء: (والذكر والأنثى) في (وما خلق الذكر والأنثى) وقراءة ابن عباس (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا وأما الغلام فكان كافرا) ونحو ذلك مما ثبتَ بروايات الثقات - قال - (واختلف العلماء) في جواز القراءة بذلك في الصلاة، فأجازها بعضهم لأن الصحابة والتابعين كانوا يقرءون بهذه الحروف في الصلاة، وهذا أحد القولين لأصحاب الشافعي وأبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك وأحمد. وأكثر العلماء على عدم الجواز ; لأن هذه القراءات لم تثبت متواترة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن ثبتت بالنقل فإنها منسوخة بالعرضة الأخيرة أو بإجماع الصحابة على المصحف العثماني، أو أنها لم تنقل إلينا نقلا يثبت بمثله القرآن أو أنها لم تكن من الأحرف السبعة، كل هذه مآخذ للمانعين. انتهى
و ما قاله ابن الجزري قريبٌ مما قاله الباقلاني مِن قَبل في هذه القراءة و نحوها - في كتابه"الانتصار للقرآن"- قال: وقد قلنا من قبلُ إن هذهِ أخبارُ آحادٍ غيرُ مقطوع عليها ولا موثوقِ بصحتها، وإننا لا نجوّز أن نُثبت قراَنًا بطريقٍ لا يوجبُ العلمَ ولا يَقطعُ العذر .... و قلنا أيضا: إننا نعلمُ إجماعَ الأمةِ وسائرَ من رُويت عنهم هذه الرواياتُ من طريقٍ يوجب العِلمَ تسليمَهم بمصحف عثمانَ والرضا به والإقرارَ بصحة ما فيه، وأنه هو الذي أنزلهُ اللهُ على ما أنزلهُ ورتّبه، فيجبُ إن صحت هذه القراءات عنهم أن يكونوا بأسرِهم قد رَجعوا عنها وأذعنوا بصحة مصحف عثمان، فلا أقل من أن تكونَ الرواية لرجوعهم إلى مصحفِ عثمانَ أشهر من جميعِ هذه الرواياتِ عنهم، فلا يجب الإحفال بها مع معارضة ما هو أقوى وأثبتُ منها. انتهى
ٍ- و الذي تطمئن إليه النفْس، و جمْعًًا بين كل هذه الأقوال، أنّ تلك الزيادة في القراءة ٍ (مَلِكٌ يأخذ كل سفينة صالحة غصبا) منسوخةٌ نَسْخ تلاوة، و أنّ روايات هذه القراءة - بصرْف النظر عمّا إذا كانت آحادًًا أَم لا - ٍمحمولةٌ على ما كان مقروءًًا أو مكتوبًًا قبل النَسْخ؛ بدلالة الإجماع على المصاحف العثمانية الخالية كُلّها من تلك الحروف - المخالفة لحروفه و رَسْمه - و كان ذلك بحضرة و إجماع الصحابة رضي الله عنهم، و منهم هؤلاء الثلاثة - عبد الله بن مسعود و أُبَيّ بن كعب و ابن عباس - و الخليفة الراشد عثمان نفسه، المنسوبة إليهم تلك القراءة، و لا يكون إجماعٌ و مِثْل هذا العدد من هؤلاء الصحابة الأجِلاء بِخلافه، و هُمّ مَن تَثبْت الأخبار بمِثلهم و تقوم الحجّة؛ فدَّل هذا على أنها كانت منسوخة و عَلِم الصحابة نَسْخها، و لذا أَقرّوا المصحف العثماني، الخالي منها، و مِثل هذا يُقال في مِثْلها من القراءات المنسوخة.
و هذا الخُلُو - من تلك الكلمة الزيادة - أَدَلّ دليل و أَوضح سبيل على أن تلك الزيادة في القراءة المذكورة ليست من القرآن - الذي استقر بالعَرْضة الأخيرة للنبي صلى الله عليه و سلم - و الذي تعهد الله عَزَّ و جَلَّ بحفظه من كل تبدييل أو تغيير أو زيادة أو نقْص؛ فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} . [الحجر: 9] ، قال الطبري: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ، قال في آية أخرى (لا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ) والباطل: إبليس (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ) فأنزله الله ثم حفظه، فلا يستطيع إبليس أن يزيد فيه باطلا ولا ينتقص منه حقا، حفظه الله من ذلك. اهـ و لا رَيب في ذلك.