وجوها. وقد اختلف العلماء رحمهم الله: هل للسن الذي يتأتى فيه الحيض حد معين بحيث لا تحيض الأنثى قبله ولا بعده وإن ما يأتيها قبله أو بعده فهو دم فساد لا حيض؟ اختلف العلماء في ذلك. قال الدارمي بعد أن ذكر الاختلافات: كل هذا عندي خطأ لأن المرجع في جميع ذلك إلى الوجود فأي قدر وجد في أي حال وسن وجب جعله حيضًا والله أعلم.
وهذا الذي قاله الدارمي هو الصواب وهو اختيار شيخ الاسلام ابن تيمية فمتى رأت الانثى الحيض فهي حائض وإن كانت دون تسع سنين أو: فوق خمسين سنة وذلك لأن أحكام الحيض علقها الله ورسوله على وجوده ولم يحدد الله ورسوله لذلك سنًا معينًا فوجب الرجوع فيه إلى الوجود الذي علقت الأحكام عليه، وتحديده بسن معين يحتاج إلى دليل من الكتاب أو: السنة ولا دليل في ذلك ... ) [1] .
بعد هذه الجولة السريعة في أقوال علماء المذهب أستطيع أن أقول-تلخيصًا لما سبق- (إن تحديد الزمن للحيض والطهر مِمَّن حدده لا دليل عليه، وإنما رَجَعَ للعادة والتجربة، فلا آية ولا حديث مسند بهذا، ولذلك كان الحق ما ذهب إليه بعض المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره: أن كل امرأة لها عادتها التي اعتادت عليها؛ كما نصت أحاديث يفهم منها هذا:
كحديث أم سلمة: انها استفتت النبي صلى الله عليه وسلم في امرأة تهراق الدم؟ فقال: (لتنظر قدر الليالي والأيام التي كانت تحيضهنّ، وقدرهن من الشهر، فتدع الصلاة) . (سبق تخريجه) . فهنا اعتبر النص العادة.
ثم جاء الحديث بوصف دم الحيض بقوله صلى الله عليه وسلم: (إن كان دم الحيض، فإنه أسود يعرف) ، (أخرجه أبو داود وغيره عن فاطمة بنت حبيش، وهو صحيح. سبق تخريجه) .
فإما إن كانت معتادة، فعادتها المعتبرة، وإما غير ذلك، فوصف الدم بالسواد هو المميز له عن غيره؛ إذ غيره هو الاستحاضة. وإلى هذا أشار شكري:
وَتَحَكَّمَتْ فِي الْحَيْضِ عَادَاتُ النِّسَا ... إذْ لاَ دَلِيلَ مُعَيِّنٌ لِزَمَانِ ...
دَمُهُ السَّوَادُ مُمَيَّزٌ إذْ غَيْرُهُ ... هِي الاِسْتِحَاضَةُ عِنْدَ ذِي عِرْفَانِ) [2]
(1) -انظر: (رسالة في الدماء الطبيعية للنساء وزكاة الحلي) لشيخ شيخنا العثيمين رحمه الله (ص:6 - 7)
(2) - انظر: (المنخلة النونية في فقه الكتاب والسنة) (ص:28/ 29) .