الصفحة 37 من 72

وقال ابن عثيمين: ( ... وأما المقال الثاني وهو مدة الحيض مقدار زمنه، فقد اختلف فيه العلماء اختلافًا كثيرًا على نحو ستة أقوال أو: سبعة.

قال ابن المنذر: وقالت طائفة: ليس لأقل الحيض ولا لأكثره حد بالأيام. قلت: وهذا القول كقول الدارمي السابق وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الصواب لأنه يدل عليه الكتاب والسنه والاعتبار.

فالدليل الأول: قوله تعالى: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذىً فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن) ، فجعل الله غاية المنع هي الطهر ولم يجعل الغاية مضيَّ يوم ولا ليلة ولا ثلاثة أيام ولا خمسة عشر يومًا فدل هذا على أن علة الحكم هي الحيض وجودًا وعدمًا فمتى وجد الحيض ثبت الحكم ومتى طهرت منه زالت أحكامه.

الدليل الثاني: ما ثبت في (صحيح مسلم) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة وقد حاضت وهي محرمة بالعمرة: (افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي قَالَتْ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ طَهَرْتُ) . وفي رواية للبخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: (انْتَظِرِي فَإِذَا طَهُرْتِ فَاخْرُجِي إِلَى التَّنْعِيمِ ... ) ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم غاية المنع الطهر ولم يجعل الغاية زمنًا معينًا، فدل هذا على أن الحكم يتعلق بالحيض وجودًا وعدمًا.

الدليل الثالث: أن هذا التقديرات والتفصيلات التي ذكرها من ذكرها من الفقهاء في هذه المسألة ليست موجودة في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أن الحاجة بل: الضرورة داعية إلى بيانها، فلو كانت مما يجب على العباد فهمه والتعبد لله به لبينها الله ورسوله بيانًا ظاهرًا لكل أحد لأهمية الأحكام المترتبة على ذلك من الصلاة والصيام والنكاح والطلاق والإرث وغيرها من الأحكام كما بين الله ورسوله عدد الصلوات وأوقاتها وركوعها وسجودها، والزكاة: أموالها وأنصباءها ومقدارها ومصرفها، والصيام: مدته وزمنه، والحج، وما دون ذلك حتى آداب الأكل والشرب والنوم والجماع والجلوس ودخول البيت والخروج منه وآداب قضاء الحاجة حتى عدد مسحات الاستجمار إلى غير ذلك من دقيق الأمور وجليلها مما أكمل الله به الدين وأتم به النعمة على المؤمنين كما قال تعالى: (ونزلتا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء) [1] . وقال تعالى: (ما كان حديثًا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء) [2] .

(1) - سورة النحل الآية 89.

(2) سورة يوسف الآية 111.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت