فمن القسم الأول: ما استدل به الحنفية على أن أقل الحيض ثلاثة أيام حديث البخاري الذي قال الرسول صلى الله عليه وسلم فيه لفاطمة بنت أبي حبيش المستحاضة: (دَعِي الصَّلاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي) [1] .
ووجه الاستدلال بالحديث أن (الأيام) في قوله: (دَعِي الصَّلاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ) جمع، وأقل الجمع (ثلاثة) ... والسبب في عدم صحة استدلالهم بالحديث أن هذه المرأة التي أمرها الرسول صلى الله عليه وسلم بما أمرها به كانت مستحاضة معتادة، فردها إلى الأيام التي اعتادتها، ولا يلزم من هذا أن كل حيض لا ينقص عن ثلاثة أيام.
ومن القسم الثاني:-وهو النصوص الصريحة ولكنها غير صحيحة-ما احتج به الحنفية على أقل الحيض وأكثره، وهو الحديث الذي رواه أبو أمامة الباهلي-رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أقل ما يكون الحيض للجارية الثيب والبكر جميعًا ثلاثة أيام وأكثر ما يكون من الْحَيْضُ عَشْرَةُ أَيَّامٍ وما زاد ... فهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ) .
وبما روي عن جماعة من الصحابة-رضي الله عنهم أجمعين- قالوا: (الحيض ثلاث، أَرْبَع، خَمْس، سِت، سَبْع، ثَمَان، تِسْع، عَشْر) [2] . وهذه نصوص غير صحيحة وضعفها أهل العلم بالحديث، وقد بين ابن قدامة ضعف رواتها، وما قاله علماء الحديث فيهم، فالحديث الذي يرويه أبو أمامة عزاه إلى واثلة بن الأسقع، وقال فيه: حديث ضعيف يرويه محمد ابن أحمد الشامي وهو ضعيف، عن حماد بن المنهال وهو مجهول. وحديث أنس يرويه الجلد بن أيوب وهو ضعيف.
وقد تعرض ابن المنذر لأدلة الحنفية في أقل الحيض وضعَّفها، وبينّ أنه لم يصح فيها حديث فقد قال في ذلك: أما أصحاب الرأي فإن حجتهم فيما وقتوه ... وقد ردَّ هذا الحديث جماعة من أهل العلم.
وذكر الميموني أنه قال: قلت لأحمد بن حنبل: أيصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء في أقلِّ الحيض وأكثره؟ قال: لا. قلت: أفيصح عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا. قلت: فحديث أنس؟ قال: ليس بشيء. أو: قال: ليس يصح. قلت: فأعلى شيء في هذا
(1) -رواه البخاري (1/ 487) ، ومسلم (1/ 262) . انظر تخريجه بتوسع في (بيان الوهم والإيهام ... ) (2/ 456/457/رقم:457) .
(2) - انظر هذه الآثار في (مصنف) عبد الرزاق، وأبي شيبة، و (الكبرى) للبيهقي، و (سنن) منصور، والدارمي.