وقال العقيلي: صاحب مناكير غلب عليه الوهم لا يقيم شيئًا من الحديث. قلت: ومن دونه لم أعرفهم). واحتج صاحب (منار السبيل) من الحنابلة لسن اليأس بقول عائشة: (إذا بلغت المرأة خمسين سنة خرجت من حدَّ الحيض) . وعزاه للإمام أحمد. وقال الشيخ ناصر الدين الألباني فيه: (لم أقف عليه، ولا أدري في أي كتاب ذكره أحمد، ولعله في بعض كتبه التي لم نقف عليها) ، والمسألة التي ذهب جمع من أهل العلم إلى صحة الحديث الوارد فيها هي أكثر مدة النفاس.
فقد روى أبو داود من طريق كثير بن زياد قال: (حَدَّثَتْنِي الأَزْدِيَّةُ يَعْنِي مُسَّةَ قَالَتْ: حَجَجْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ يَامُرُ النِّسَاءَ يَقْضِينَ صَلاةَ الْمَحِيضِ فَقَالَتْ: لا يَقْضِينَ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تَقْعُدُ فِي النِّفَاسِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً لا يَامُرُهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِقَضَاءِ صَلاةِ النِّفَاس) ، قَالَ مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ حَاتِمٍ وَاسْمُهَا مُسَّةُ تُكْنَى أُمَّ بَسَّةَ. قال النووي في [المجموع] : حديث حسن رواه أبو داود والترمذي وغيرهما.
قال الخطابي: أثنى البخاريُّ على هذا الحديث. واحتجو بأحاديث بمعنى هذا من رواية أبي الدرداء وأنس ومعاذ وعثمان ابن أبي العاص وأبي هريرة رضي الله عنهم. وذكر أنَّ بعض أهل العلم ضعفوا هذا الحديث، فردَّ ذلك وقال: وهذا مردود، بل: هو حديث جيد، وأما الأحاديث الأخَرُ فكلها ضعيفة، ضعفها الحفاظ منهم: البيهقي وبين سبب ضعفها، وذكر الشوكاني أنَّ الحاكم نصَّ على صحته، ويرى الشوكاني-رحمه الله-: أنَّ الأدلة الدالة على أنَّ أكثر النفاس أربعون يومًا متعاضدة بالغة إلى حدَّ الصلاحية الاعتبار، فالمصير إليها متعين، فالواجب على النفساء توقيت أربعين يومًا إلى أن ترى الطهر قبل ذلك كما دلَّت على ذلك الأحاديث السابقة. قال الترمذي في (جامعه) : وقد أجمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعون ومن بعدهم على أنَّ النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فإنها تغتسل وتصلى). انتهى بتصرف.
وقد حَسَّن الحافظ ابن حجر-رحمه الله- والشيخ ناصر الدين الألباني أيضا إسناده وردا على من ادعى ضعفه. وقد ضعَّفه ابن حبَّان، والدارقطنى وابن حزم في (المحلى) ... وقال ابن حزم: مسَّة الأزدية مجهولة الحال، وضعَّفه ابن حبان-وبين الألباني أن من ضعفه لم يحالفه الصواب- ثم قال: هذا فقد ذكر أهل العلم للحديث شواهدتجعل الحديث مقبولًا في مجال الحجاج [1] .
(1) -انظر: (الحيض والنفاس والحمل بين الفقه والطب) للدكتور: عمر سليمان الأشقر (ص:56 - 74) . بتصرف كبير مني.