الصفحة 48 من 72

لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر باستبراء الأمة، ولو كان يكون حيض وحمل ما كان للاستبراء معنى. وقد أجمع العلماء على أن الأمة إذا حاضت حل وطؤها مع إجماعهم على أن الحامل لا يحل وطؤها حتى تضع، دليل بين على أن الحامل محال وجود الحيض فيها، إذ لو جاز ذلك لبطل معنى ما اجتمعت عليه الأمة من أن الحامل لا توطأ.

وقد أورد القائلون بأن الحامل تحيض اعتراضات على رأي الفريق الآخر منها:

أن الاستدلال بحديث ابن عباس (لا توطأ الحامل .. ) على أن الحيض علم على براءة الرحم، هو استدلال غير مسلم، لأنه إنما جعل الحيض في الحامل علمًا لبراءة الرحم من طريق الظاهر، بل هي دلالة ظنية، فإذا جاء ما هو أظهر منه وأقوى في الدلالة سقط اعتباره، ولذلك لم يمنع وجود دم من الاعتداد بالحمل، كما لم يمنع وجوده في المتوفى عنها زوجها من الاعتداد بالأربعة أشهر والعشر. وإنما حكم الشارع ببراءة الرحم به لأنه الغالب.

ويجاب عن هذا الاعتراض بما يلي:

أن الحديث فرق بين الحامل والحائل بأن جعل وطأها بعد وضعها، وجعل جواز وطء الحائل بعد طهرها من الحيض، وقولكم إن الحامل تحيض يخالف ظاهر الحديث، وذلك يحتاج إلى دليل راجح قوي، ولم يوجد، فبطل استدلالكم.

القياس على المتوفى عنها زوجها قياس مع الفارق، لأن الغاية الأصلية معروفة براءة الرحم، والجنين يتكون في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم أربعين يوما علقة، ثم أربعين يومًا مضغة كما دل على ذلك الحديث الصحيح الصريح، فهذه مائة وعشرون يومًا، ثم تنفخ فيه الروح بعد هذه المدة فزيدت العشر لذلك.

رد القائلين بأن الحامل لا تحيض على الفريق الآخر:

أما استدلالهم بحديث فاطمة (فإنه أسود يعرف) وأنه دم في أيام العادة وعلى قدره، مع وقوع ذلك وتكرره. فيرد عليه من وجوه:

أنكم تقرون أن دم الاستحاضة في الغالب أحمر رقيق مشرق، وربما تغير دم الحيض إلى الحمرة ودم الاستحاضة إلى السواد، لا يمنع أن يكون الحيض موصوفًا بهذه الصفة مع السلامة وأنكم رجعتم إلى التفريق بينهما بأن دم الحيض يخرج من قعر الرحم، ودم الاستحاضة يسيل من العاذل. وأنكم تعتبرون-أي: الشافعية- الدم إن نقص عن يوم وليلة أو: زاد عن خمسة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت