العام يوزع على الطهر والحيض أو: مدة النفاس وهذا ميسور. قال إمام الحرمين: (وكون الصوم لا يصح منها لا يدرك معناه فإن الطهارة ليست مشروطة فيه) . نقول: إن في الحيض والنفاس ضعفًا للمرأة والمولى سبحانه وتعالى عالم بحالها رؤوف بها والله أعلم.
5 -يحرم الطواف بالكعبة سواء في ذلك طواف الركن أو: طواف الوداع لقوله صلى الله عليه وسلم: (اصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ) [1] . وبما ورد عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم َ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ قَدْ حَاضَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَعَلَّهَا تَحْبِسُنَا أَلَمْ تَكُنْ طَافَتْ مَعَكُنَّ؟ فَقَالُوا: بَلَى قَالَ: فَاخْرُجِي) [2] . وما ورد-عن عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لا نَذْكُرُ إِلا الْحَجَّ حَتَّى جِئْنَا سَرِفَ فَطَمِثْتُ فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا أَبْكِي فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ خَرَجْتُ الْعَامَ قَالَ: مَا لَكِ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي). ولما ورد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ (الطَّوَافُ صَّلاةِ إِلا أَن الله أَحَل فِيهِ الكَلام فَلا يَتَكَلَّم إِلا بِخَيْرٍ) . قال ابن تيمية هذا الحديث موقوف على ابن عباس، فهو قوله وليس كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن ثم فالحظر لحديث آخر أنه نهى الحائض عن الطواف، ولأن الطواف يكون في المسجد. (فنهيه الحائض عن الطواف إما لأجل المسجد لكونها منهية عن اللبث فيه وفي الطواف لبث، أو عن الدخول إليه مطلقًا لمرور أو: لبث وإما أن يكون الطواف نفسه يحرم مع الحيض) . كذا قال!!.
حرمة وطء الحائض والنفساء [3] :
(1) -رواه البخاري.
(2) -رواه البخاري.
(3) -الحكمة من تحريم معاشرة النساء في المحيض: حرَّم الله تعالى على الرجال نكاح أزواجهم إذا كن حُيَّضًا، ونص القرآن على علة التحريم، وهي كون المحيض أذى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) والدراسات العلمية في هذا المجال كشفت لنا عن شيء من الأذى الذي أشارت إليه الآية الكريمة، ولكنهم لم يصلوا إلى التعرُّف على جميع الأذى الذي عناه النص القرآني، فالعلم في تقدم مستمر، وفي كلِّ يوم يكتشف جديدًا، ينبئنا هذا الجديد أنَّ علمنا كان قاصرًا. يقول الدكتور محيي الدين طالو العلبي: (يجب الامتناع عن جماع المرأة الحائض لأن جماعها يؤدي إلى اشتداد النزيف الطمثي، لأن عروق الرحم تكون محتقنة وسهلة التمزق وسريع العطب، كما أن جدار المهبل سهل الخدش، وتصبح إمكانية حدوث الالتهابات كبيرة مما يؤدي إلى التهاب الرحم أيضًا أو: يحدث التهاب في عضو الرجل بسبب الخدوش التي تحصل أثناء الانتصاب والاحتكاك، كما أن جماع الحائض يسبب اشمئزازا لدى الرجل وزوجه على السواء بسبب وجود الدم ورائحته، وبالتالي قد يؤثر على الزوج فيصاب بالبرود الجنسي(العنة) وجماع النفساء له نفس أضرار الحائض، يضاف له عدم شعور كل من الزوجين ياللذة بسبب تمدد جوف المهبل خلال الولادة، وبسبب الآلام خلال الجماع، والتي تنجم عن تنبيه تقلص الرحم وآلامها) ويقول الدكتور البار متحدثًا عن الأذى الذي في المحيض: (يُقْذَف الغشاء المبطن للرحم بأكمله أثناء الحيض، وبفحص دم الحيض تحت المجهر نجد بالإضافة إلى كرات الدم الحمراء والبيضاء قطعًا من الغشاء المبطِّن للرحم، ويكون الرحم متقرحًا نتيجة لذلك، تمامًا كما يكون الجلد مسلوخًا، فهو معرض بسهولة لعدوان البكتيريا الكاسح، ومن المعلوم طبيًا أن الدم هو خير بيئة لتكاثر الميكروبات ونموها، وتقل مقاومة الرحم للمكروبات الغازية نتيجة لذلك، ويصبح دخول المكروبات الموجودة على سطح القضيب يشكل خطرًا داهمًا على الرحم. ومما يزيد الطين بلة أن مقاومة المهبل لغزو البكتيريا تكون في أدنى مستواها أثناء الحيض، إذ يقل إفراز المهبل للحامض الذي يقتل المكروبات، ويصبح الإفراز أقل حموضة إن لم يكن قلوي التفاعل، كما تقل المواد المطهرة الموجودة بالمهبل أثناء الحيض إلى أدنى مستوى لها، ليس ذلك فحسب، ولكنَّ جدار المهبل المكوَّن من عدة طبقات من الخلايا يرق أثناء الحيض، ويصبح رقيقًا ومكونا من طبقة من الخلايا بدلًا من الطبقات العديدة التي نراها في أوقات الطهر، وخاصة في وسط الدورة الشهرية حيث يستعدّ الجسم بأكمله للقاء الزوج. لهذا فإن إدخال القضيب إلى الفرج والمهبل في أثناء الحيض ليس إلا إدخالًا للمكروبات في وقت لا تستطيع فيه أجهزة الدفاع أن تقاوم، كما أن وجود الدم في المهبل والرحم يساعد على نمو تلك المكروبات وتكاثرها. ومن المعلوم أنَّ على جلد القضيب ميكروبات عديدة، ولكنَّ الموارد المطهرة والإفراز الحامض للمهبل يقتلها أثناء الحمل، أما أثناء الحيض فأجهزة الدفاع مشلولة، والبيئة الصالحة لتكاثر المكروبات متوفرة) ويرى الدكتور البار أنَّ الأذى لا يقتصر على ما ذكره من نمو المكروبات في الرحم والمهبل الذي يصعب علاجه، ولكن يتعداه إلى أشياء أخرى هي:
1 -امتداد الالتهابات إلى قناتي الرحم فتسدها، أو: تؤثر على شعيراتها الداخلية التي لها دور كبير في دفع البويضة من المبيض إلى الرحم، وذلك يؤدي إلى العقم، أو: إلى الحمل خارج الرحم، وهو أخطر أنواع الحمل على الإطلاق، ويكون الحمل عندئذ في قناة الرحم الضيقة ذاتها، وسرعان ما ينمو الجنين وينهش في جدار القناة الرقيق، حتى تنفجر القناة الرحمية، فتنفجر الدماء أنهارًا إلى أقتاب البطن وإن لم تتدارك الأم في الحال بإجراء عملية جراحية سريعة فإنها لا شك تلاقي حتفها.
2 -امتداد الالتهاب إلى قناة مجرى البول، فالمثانة فالحالبين فالكلي، وأمراض الجهاز البولي خطيرة ومزمنة.
3 -ازدياد المكروبات في دم الحيض وخاصة ميكروب السيلان. وبين لنا الدكتور البار أن المرأة الحائض تكون في حالة جسمية ونفسية لا تسمح لها بالجماع، فإن حدث فإنه يؤذيها أذى شديدا، ثم يعرض لنا ما يصحب المرأة أثناء حيضها من علل وأوجاع وآلام فيقول:
1 -صاحب الحيض آلام تختلف في شدَّتها من امرأة إلى أخرى، وأكثر النساء يصبن بالآلام وأوجاع الظهر وأسفل البطن، وبعض النساء تكون آلامهن فوق الاحتمال مما يستدعي استعمال الأدوية ومسكنات، ومنهن من يحتجن إلى زيارة الطبيب من أجل ذلك.
2 -تصاب كثير من النساء بحالة من الكآبة والضيق أثناء الحيض وخاصة عند بدايته، وتكون المرأة عادة متقلبة المزاج سريعة الاهتياج قليلة الاحتمال، كما أنَّ حالتها العقلية والفكرية تكون في أدنى مستوى لها أثناء الحيض.
3 -تصاب بعض النساء بالصداع النصفي (الشقيقة) قرب بداية الحيض، وتكون مبرحة وتصحبها زغللة في الرؤية وقيء.
4 -تقل الرغبة الجنسية لدى المرأة وخاصة عند بداية الطمث، بل: إن كثيرًا من النساء يكن عازفات تمامًا عن الاتصال الجنسي أثناء الحيض، ويملن إلى العزلة والسكينة، وهو أمر فسيولوجي وطبيعي، إذ أن فترة الحيض هي فترة نزيف دموي من قعر الرحم (الغشاء المبطِّن للرحم من الداخل) . وتكون الأجهزة التناسلية بأكملها في حالة شبه مرضية، فالجماع في هذه الآونة ليس طبيعيًا، ولا يؤدي أي وظيفة، بل: على العكس يؤدي إلى الكثير من الأذى.
5 -على الرغم من أنَّ الحيض عملية فسيولوجية (طبيعية) بحتة، فإن استمرار فقدان الدم كلَّ شهر يسبب نوعًامن فقر الدم لدى المرأة، وخاصة إذا كان الحيض شديدًا غزيرًا في كميته.
6 -تصاب الغدد الصماء بالتغير أثناء الحيض، فتقل إفرازاتها الحيوية المهمة للجسم إلى أدنى مستوى لها اثناء الحيض.
7 -تنخفض درجة حرارة المرأة أثناء الحيض درجة مئوية كاملة، وذلك لأنَّ العمليات الحيوية التي لا تتوقف في الكائن الحي تكون في أدنى مستوى لها أثناء الحيض، وتسمى هذه العمليات بالأيض أو الاستقلاب، ونتيجة لذلك يقل إنتاج الطاقة من الجسم، كما تقل عمليات التمثيل الغذائي.
8 -ومع انخفاض درجة حرارة الجسم في المرأة نتيجة للعوامل السابقة يبطء النبض وينخفض ضعط الدم، فيسبب الشعور بالدوخة والفتور والكسل. ويذكر الدكتور البار أيضًا أن: الأذى لا يقتصر على الحائض في وطئها، وإنما ينتقل إلى الرجل الذي وطئها أيضًا، فإدخال القضيب إلى المهبل المليء بالدماء يؤدي إلى تكاثر المكروبات والتهاب قناة مجرى البول لدى الرجل، وتنمو المكروبات السبحية والعنقودية على وجه الخصوص في مثل هذه البيئة الدموية. وتنتقل المكروبات من قناة مجرى البول إلى البروستاتا والمثانة، والتهاب البروستاتا سرعان ما يزمن لكثرة قنواتها الضيقة الملتفة، والتي نادرًا ما يصلها الدواء بكمية كافية لقتل المكروبات المختفية في تلافيفها، فإذا أزمن التهاب البروستاتا فإن المكروبات سرعان ما تغزو بقية الجهاز البولي التناسلي فتنتقل إلى الحالبين، ومنه إلى الكلي، وما أدراك ما التهاب الكلي المزمن، إنه العذاب حتى يحين الأجل .. ولا علاج .. وقد تنتقل المكروبات من البروستاتا إلى الحويصلات المنوية، فالحبل المنوي، فالبربج، فالخصيتين. وقد يسبب ذلك عقمًا نتيجة انسداد قناة المني أو: التهاب الخصيتين كما أن الآلام المبرحة التي يعانيها المريض تفوق ما قد ينتج عن ذلك الالتهاب من عقم. وأخيرًا يذكر الدكتور البار أنه ظهر بحث قدمه البروفيسور عبد الله باسلامة إلى المؤتمر الطبي السعودي السادس جاء فيه: أن الجماع أثناء الحيض قد يكون أحد أسباب سرطان عنق الرحم، ويحتاج هذا الأمر إلى مزيد من الدراسة للتأكد وصدق الله العضيم إذ يقول: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) ، نعم، هو أذى للزوج، وعدم قربان المرأة في المحيض طهارة، طهارة من الأنجاس والأمراض. والله يحب التوابين ويحب المتطهرين (ولا تقربهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) انظر: (خلق الإنسان) للدكتور محمد علي البار. و (الحيض والنفاس والحمل بين الفقه والطب) للدكتور عمر سليمان الأشقر (ص: 98 - 106) وهذا البحث مهم جدًا لمن أرادت السلامة.