فإن قلت: إذا أضفنا القضاة وحصرناها بطائفة معينة، أو ببلد معين، أو بزمان معين، مثل أن يٌقال: قاضي القضاة في الفقه، أو قاضي قضاة المملكة العربية السعودية، أو قاضي قضاة مصر أو الشام، أو ما أشبه بذلك؛ فهل يجوز هذا؟
فالجواب: أن هذا جائز؛ لأنه مٌقَيَّد، ومعلوم أن قضاء الله لا يتقيد، فحينئذ لا يكون فيه مشاركة لله -- عز وجل --، على أنه لا ينبغي أيضًا أن يتسمى الإنسان بذلك أو يٌسمَّى به وإن كان جائزًا؛ لأن النفس قد تصعب السيطرة عليها فيما إذا شعر الإنسان بأنه موصوف بقاضي قضاة الناحية الفلانية، فقد يأخذه الإعجاب بالنفس والغرور حتى لا يقبل الحق إذا خالف قوله، وهذه مسألة عظيمة لها خطرها إذا وصلت بالإنسان إلى الإعجاب بالرأي بحيث يرى أن رأيه مفروض على من سواه؛ فإن هذا خطر عظيم، فمع القول بأن ذلك جائز لا ينبغي أن يقبله اسمًا لنفسه أو وصفًا له، ولا أن يتسمى به.
فإذا قٌيِّد بزمان أو مكان ونحوهما؛ قلنا: إنه جائز، ولكن الأفضل ألا يفعل، لكن إن قٌيِّد بفن من الفنون؛ هل يكون جائزًا؟
مقتضى التقييد أن يكون جائزًا، لكن إن قٌيِّد بالفقه بأن قيل: (عالم العلماء في الفقه) ، وقلنا: إن الفقه يشمل أصول الدين وفروعه على حد قول الرسول - صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين) (1) ؛ صار فيه عموم واسع، ومعنى هذا أن مرجع الناس كلهم في الشرع إليه؛ فهذا في نفسي منه شيء، والأولى التنزه عنه.
وأما إن قٌيَّد بقبيلة؛ فهو جائز، لكن يجب مع الجواز مراعاة جانب الموصوف أن لا يغتر ويٌعجب بنفسه، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للمادح: (قطعت عنق صاحبك) (2) .
(1) البخاري: كتاب العلم/ باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، حديث (71) ، ومسلم: كتاب الزكاة/ باب النهي عن المسألة، حديث (1037) .
(2) البخاري: كتاب الأدب/ باب ما يكره من التمادح، ومسلم: كتاب الزهد/ باب النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط.