أن هذه السورة -التي منها هذه الآية- هي في حال المنافقين، ولأن السياق -سابقها ولاحقها- يدل على أن الضمائر ترجع إلى المنافقين.
قال -جل وعلا- قبل هذه الآية في سورة براءة: { يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ - وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ } (التوبة: 64-65) فالآية السابقة لآية الباب هي في المنافقين نصًا، فالضمير إذًا في قوله: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ } يعود على من ذكر قبل هذه الآية وهم المنافقون المنصوص عليهم بقوله: { يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ } وكذلك ما بعدها من الآيات في المنافقين في قوله -جل وعلا-: { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ } (التوبة: 67) والأدلة على ذلك كثيرة، فالصواب في ذلك أن المراد بالآية هم المنافقون. وأما أهل التوحيد فإنه لا يصدر منهم استهزاء أصلا، ولو استهزءوا لعلمنا أنه غير معظمين لله، وأن توحيدهم ذهب أصلا؛ لأن الاستهزاء يطرد التعظيم.
فالواجب على المسلمين جميعا -وعلى طلبة العلم بخاصة- أن يحذروا من مزالق الكلام؛ لأن كثيرين يتكلمون بكلام لا يلقون له بالا، ربما استهزءوا، أو ربما تكلموا بكلام فيه شيء من الهزل، وفيه شيء من الضحك، وكان في أثناء هذا الكلام ذكر الله ، أو فيه قراءة القرآن، أو فيه ذكر بعض العلم، وهذا مما لا يجوز.
وقد يدخل أحدهم في قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: (وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار سبعين خريفا) (1) نسأل الله -جل وعلا- السلامة والعافية.
(1) الترمذي (2314)