ولكن الأدب يقتضي ألا يستعمل هذه العبارة في الدعاء مطلقا؛ لأنها وإن كانت ليست بمواجهة، فإنها داخلة في تعليق الدعاء بالمشيئة، والله -جل وعلا- لا مكره له، فعموم المعنى المستفاد من قوله: (فإن الله لا مكره له) عموم هذا التعليل يشمل هذا وهذا، فلا شك أن قول: (( اللهم اغفر لي إن شئت ) )أعظم، ولكن القول الآخر داخل أيضا في علة النهي ومعنى النهي؛ ولهذا لا يسوغ استعماله.
وقول النبي -عليه الصلاة والسلام- لمن عاده، وقد أصابته الحمى كما رواه البخاري ومسلم وغيرهما، (طهور إن شاء الله . قال: بل هي حمى تفور) إلى آخر كلامه، هذا ليس فيه دعاء، وإنما هو من جهة الخبر. قال: يكون طهورا إن شاء الله ، فهو ليس بدعاء، وإنما هو خبر، فافترق عن أصل المسألة.
وقال طائفة أيضا من أهل العلم من شراح البخاري: وقد يكون قوله: (طهور إن شاء الله ) للبركة، فيكون ذلك من جهة التبرك، كقوله -جل وعلا- مخبرا عن قول يوسف: { ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ الله آمِنِينَ } (يوسف: من الآية99) وهم قد دخلوا مصر، وكقوله -جل وعلا-: { لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ الله آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ } (الفتح: من الآية27) .
(ق) : مناسبة الباب للتوحيد: من وجهين:
من جهة الربوبية، فإن من أتى بما يشعر بأن الله له مكره لم يقم بتمام ربوبيته تعالى، لأن من تمام الربوبية أنه لا مكره له، بل أنه لا يسأل عما يفعل، كما قال تعالى: { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } (الأنبياء: 23) . وكذلك فيه نقص من ناحية الربوبية من جهة أخرى، وهو أن الله يتعاظم الأشياء التي يعطيها، فكان فيه قدح في جوده وكرمه.
من ناحية العبد، فإنه يشعر باستغنائه عن ربه، وهذا نقص في توحيد الإنسان، سواء من جهة الألوهية أو الربوبية أو الأسماء والصفات، ولهذا ذكره المصنف في الباب الذي يتعلق بالأسماء والصفات.