فهرس الكتاب

الصفحة 1266 من 1408

ومنها التقدير اليومي: كما ذكره بعض أهل العلم (1) واستدل له بقوله تعالى: { يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن } (الرحمن: 29) فهو كل يوم يغني فقيرا، ويفقر غنيا، ويوجد معدوما، ويعدم موجودا، ويبسط الرزق ويقدرُهُ، وينشي السحاب والمطر وغير ذلك.

فإن قيل: هل الإيمان بالقدر ينافي ما علم بالضرورة من أن الإنسان يفعل الشيء باختياره؟

الجواب: لا ينافيه، لأن ما يفعله الإنسان باختياره من قدر الله ، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لما أقبل على الشام، وقالوا له: إن في الشام طاعونا يفتك بالناس، فجمع الصحابة وشاورهم، فقال بعضهم: نرجع. فعزم على الرجوع، فجاء أمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح، فقال: يا أمير المؤمنين! أفرارا من قدر الله ؟ فأجاب عمر نفر من قدر الله إلى قدر الله (2) .

يعني: أن مضينا في السفر بقدر الله ، ورجوعنا بقدر الله ثم ضرب له مثلا، قال: أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديا له شعبتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة فبقدر الله ، وإن رعيت الجدبة فبقدر الله ؟

وقال أيضا: أرأيت لو رعى الجدبة وترك الخصبة، أكنت معجزة؟ قال: نعم. قال: فسر إذن. ومعنى معجزة: ناسبا إياه إلى العجز.

فالإنسان وإن كان يفعل، فإنما يفعل بقدر الله .

فإن قيل: إذا تقرر ذلك، لزم أن يكون العاصي معذورا بمعصيته، لأنه عصي بقدر الله ؟

أُجيب: إن احتجاج العاصي بالقدر باطل بالشرع والنظر.

(1) انظر شفاء العليل للعلامة ابن القيم (رحمه الله ) .

(2) البخاري: كتاب الطب / باب ما يذكر في الطاعون، ومسلم: كتاب السلام / باب الطاعون والطيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت