فهرس الكتاب
أما بطلانه بالشرع: فقد قال الله تعالى: { سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء } فهم قالوا هذا على سبيل الاحتجاج بالقدر على معصية الله ، فرد الله عليهم بقوله: { كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا } ، ولو كانت حجتهم صحيحة ما أذاقهم الله بأسه، وقال تعالى: { قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون } (الأنعام: 148) ، وهذا دليل واضح على بطلان احتجاجهم بالقدر على معصية الله ، وقال تعالى: { رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } [النساء: 165] فابطل الله الحجة على الناس بإرسال الرسل، ولو كان القدر حجة ما انتفت بإرسال الرسل، لأن القدر باق حتى مع إرسال الرسل، وهذا يدل على بطلان احتجاج العاصي على معصيته بقدر الله .
وأما بطلانه بالنظر، فنقول: لو فرض أنه نشر في جريدة ما عن وظيفة مرتبها كذا وكذا، ووظيفة أخرى أقل منها، فإنك سوف تطلب الأعلى، فإن لم يكن، طلبت الأخرى، فإذا لم يحصل له شيء منها، طلبت الأخرى، فإذا لم يحصل منها، فإنه يلوم نفسه على تفريطه بعدم المسارعة إليها مع أول الناس.
وعندنا وظائف دينية الصلوات الخمس كفارة لما بينها، وهي كنهر على باب أحدنا يغتسل منه كل يوم خمس مرات، وصلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، فلماذا تترك هذه الوظائف وتحتج بالقدر وتذهب إلى الوظائف الدنيوية الرفيعة، فكيف لا تحتج بالقدر فيما يتعلق بأمور الدنيا وتحتج به فيما يتعلق بأمور الآخرة؟
مثال آخر: رجل قال: عسى ربي أن يرزقني بولد صالح عالم عابد، وهو لم يتزوج، فنقول: تزوج حتى يأتيك. فقال: لا. فلا يمكن أن يأتيه الولد، لكن إذا تزوج، فإن الله بمشيئتة قد يرزقه الولد المطلوب.