فهرس الكتاب
قوله: (فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار) . وهذا دليل على أن الإيمان بالقدر واجب ولا يتم الإيمان إلا به، وأما من لم يؤمن به، فإنه يحرق بالنار.
وقوله: (أحرقه الله بالنار) بعد قوله (فمن لم يؤمن) يدل على أن من أنكر أو شك فإنه يحرق بالنار، لأن لدينا ثلاث مقامات:
الأول: الإيمان والجزم بالقدر بمراتبه الأربع.
الثاني: إنكار ذلك.
وهذان واضحان، لأن الأول إيمان والثاني كفر.
الثالث: الشك والتردد.
وهذا يلحق بالكفر، ولهذا قال: (فمن لم يؤمن) ، ودخل هذا النفي من أنكر ومن شك.
وفي قوله: (أحرقه الله بالنار) دليل على أن عذاب النار محرق، وأن أهلها ليس كما زعم بعض أهل البدع يتكيفون لها حتى لا يحسون لها بألم، بل هم يحسون بألم وتحرق أجسامهم، وقد ثبت في حديث الشفاعة أن الله يخرج من النار من كان من المؤمنين حتى صاروا حمما (1) ، يعني: فحما أسود، وقد دل عليه القرآن في قوله تعالى: { وذوقوا عذاب الحريق } (الحج: 22) ، وفي قوله تعالى: { كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب } (النساء: 56) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي المسند والسنن عن ابن الديلمي قال: أتيت أبي بن كعب، فقلت: في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله يذهبه من قلبي، فقال: (لو أنفقت مثل أحد ذهبًا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار) . قال: فأتيت عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، فكلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. حديث صحيح رواه الحاكم في صحيحه (2) .
(1) البخاري: كتاب الرقاق / باب صفة الجنة والنار، حديث (6560) ومسلم: كتاب الايمان / باب معرفة طريق الرؤية، حديث (183) .
(2) أبو داود: كتاب السنة /باب في القدر، حديث (4699) وابن ماجة، حديث (77) ، وصححه الشيخ الألباني في ظلال الجنة (245) .