فهذه الزيارة التي شرعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأمته، وعلمهم إياها، هل تجد فيها شيئًا مما يعتمده أهل الشرك والبدع؟ أم تجدها مضادة لما هم عليه من كل وجه؟ وما أحسن ما قال مالك بن أنس رحمه الله: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم ونقص إيمانهم عوضوا عن ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك.
ولقد جرد السلف الصالح التوحيد وحموا جانبه، حتى كان أحدهم إذا سلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم أراد الدعاء استقبل القبلة، وجعل ظهره إلى جدار القبر ثم دعا ونص على ذلك الأئمة الأربعة: أنه يستقبل القبلة وقت الدعاء حتى لا يدعو عند القبر، فإن الدعاء عبادة. وفي الترمذي وغيره: (الدعاء هو العبادة) (1) فجرد السلف العبادة لله ولم يفعلوا عند القبور منها إلا ما أذن فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، من الدعاء لأصحابها والإستغفار لهم والترحم عليهم. وأخرج أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم"وإسناده جيد ورواته ثقات مشاهير.
قوله: لا تجعلوا بيوتكم قبورًا أي لا تعطلوها عن الصلاة فيها والدعاء والقراءة فتكون بمنزلة القبور فأمر بتحري النافلة في البيوت ونهى عن تحرير النافلة عند القبور، وهذا ضد ما عليه المشركون من النصارى وأشباههم.
(1) صحيح: أبو داود: كتاب الصلاة: باب الدعاء ،حديث (1479) ، والترمذي: كتاب الدعوات: باب في فضل الدعاء (3372) ، والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (9/30) وابن ماجة: كتاب الدعاء: باب فضل الدعاء (3828) وأخرجه أحمد (4/267) من حديث النعمان بن بشير - رضي الله عنه - وصححه الترمذي وابن حبان (2396) والحاكم (1/490، 491) ووافقه الذهبي وصححه الألباني في صحيح الجامع (3401) ، وصححه الأرناؤوط في تخريج شرح السنة (1384) .