فعلى الأول يكون معنى: (خير أمتي قرني) : خير أمتي الصحابة، سواء بلغوا مئة سنة أم لا، والمعروف أن آخر من مات من الصحابة مات سنة مائة وعشر أو مائة وعشرين، فإذا قلنا مائة وعشرين، فهذه المدة زائدة على المائة، وإذا اعتبرناها من البعثة تكون مائة وثلاثا وثلاثين سنة، لأن التقويم مبتدأ من الهجرة، والهجرة كانت بعد البعثة بثلاث عشر سنة، وهذا القرن الأول، أما التابعون، فإن آخرهم مات سنة مائة وثمانين، فيكون بينهم وبين الصحابة ستون سنة، وأما تابعوا التابعون، فإن آخرهم مات سنة مائتين وعشرين، وهذا منتهى القرن الثالث.
فقرن الصحابة إن ابتدأته من البعثة صار ثلاثا وثلاثين ومائة سنة، وإن ابتدأته من الهجرة صار عشرين ومائة سنة.
وقرن التابعين ستون سنة.
وقرن تابعي التابعين أربعون سنة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن القرن معتبر بمعظم الناس، فإذا كان معظم الناس الصحابة، فالقرن قرنهم، وإذا كان معظم الناس التابعين، فالقرن قرنهم، وهكذا.
قوله: (أمتي) المراد أمة الإجابة، لأن أمة الدعوة إذا لم يؤمنوا فليس فيهم خير.
قوله: (فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثا) . إذا كان عمران لا يدري، فالأصل أنه ذكر مرتين، فتكون القرون المفضلة ثلاثة، وهذا هو المشهور.
قوله: (ثم إن بعدكم قوم) . وفي البخاري: ثم إن بعدكم قوما) بنصب (قوما) ، وهذا لا إشكال فيه، ولكن في هذه الرواية برفع (قوم) فيه إشكال، لأن (قوم) اسم إن، وقد اختلف العلماء في هذا:
فقيل على لغة ربيعة: الذين لا يقفون على المنصوب بالألف، فلم يثبت الكتاب الألف فصارت (قوم) .
وهذا جواب ليس بسديد، لأن الرواية ليست مكتوبة فقط، بل تكتب وتقرأ باللفظ عند أخذ التلاميذ الرواية من المشايخ، ولأن هذا ليس محل وقف.
وقيل: إن (إن) اسمها ضمير الشأن محذوف، إلحاقا لها بإن المخففة، لأن (إن) المخففة تعمل بضمير الشأن، قال الشاعر:
وإن مالك كانت كرام المعادن