وجمع بعضهم بأن المراد بحديث زيد بن خالد أنه كناية عن السرعة بأداء الشهادة، فكانه لشدة إسراعه يؤديها قبل أن يسألها.
وبعض العلماء رجح حديث عمران، لأنه في (الصحيحين) على حديث زيد بن خالد، لأنه في (مسلم) .
ولكن إذا أمكن الجمع، فلا يجوز الترجيح لأن مقتضاه إلغاء أحد النصين، والجمع هنا ممكن كما تقدم.
قوله: (يخونون ولا يؤتمنون) . هذا هو الوصف الثاني لهم، أي: أنهم أهل خيانة وليس أهل أمانة، فلا يأتمنهم الناس، وليس المعنى أنه تقع منهم الخيانة بعد الائتمان حتى يقال: لماذا لم يقل: يؤتمنون ويخونون؟ فكأن الخيانة طبيعة لهم، فلخيانتهم لا يؤتمنون.
الخيانة: الغدر والخداع في موضع الائتمان، وهي من الصفات المذمومة بكل حال.
وأما المكر والخديعة، فهي مذمومة في حال دون حال، فقد تكون محمودة إذا كانت في مقاتلة عدو ماكر خادع لدلالتها على القوة والإيقاع بالعدو من حيث لا يشعر، ولهذا يوصف الله - - سبحانه وتعالى - - بالمكر والخداع في الحال التي يكون فيها مدحا، قال تعالى: { ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين } (الأنفال: 30) وقال تعالى: { يخادعون الله وهو خادعهم } (النساء: 142) .
وأما الخيانة فلا يوصف الله بها أبدا، لأنها ذم بكل حال، ولهذا كان قول العامة: خان الله من خان حراما، لأنهم وصفوا الله بما لا يصح أن يوصف به، قال الله تعالى: { وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم } (الأنفال 71) ولم يقل: فخانهم.
قوله: (ولا يؤتمنون) . أي: ليسوا أهلا للأمانة، فلا يؤتمنون على الدماء ولا على الأموال، ولا على الأعراض، ولا أي شيء، والظاهر أن هذا في القرن الرابع، فما بالك بالقرن الخامس عشر؟ وفي حديث آخر (ويفشو بينهم الكذب) (1) .
(1) رواه الترمذي، كتاب الفتن، باب ماجاء في لزوم الجماعة، حديث (2165) ، وابن ماجة، حديث (2363) .