قوله: (فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه) . الذمة: العهد، فإذا قال أهل الحصن المحاصرون: نريد أن ننزل على عهد الله ورسوله، فإنه لا يجوز أن ينزلهم على عهد الله ورسوله، وعلل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك بقوله: (فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون...)
قوله: (أن تخفروا) بضم التاء وكسر الفاء: من أخفر الرباعي، أي: غدر، وأما خفر يخفر الثلاثي فهي بمعنى أجار، والمتعين الأول.
وقوله: (أن تخفروا) . (أن) بفتح الهمزة مصدرية بدليل رفع (أهون) على أنها خبر، وأن وما دخلت عليه محلها من الإعراب النصب على أنها بدل اشتمال من اسم (إن) ، والتقدير: فإن إخفاركم ذممكم، والبدل يصح أن يحل محل المبدل منه، ولهذا قدرتها بما سبق.
قوله: (أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه) . لأن الغدر بذمة الله وذمة نبيه أعظم، وقوله: (أهون) من باب اسم التفضيل الذي ليس في المفضل ولا في المفضل عليه شيء من هذا المعنى، لأن قوله: (أهون) يقتضي اشتراك المفضل والمفضل عليه بالهوان، والأمر ليس كذلك، لأن إخفار الذمم سواء كان لذمة الله وذمة رسوله أو ذمة المجاهدين، كله ليس بهين، بل هو صعب، لكن الهون هنا نسبي وليس على حقيقته.
فهنا أرادوا أن ينزلوا على العهد بدون أن يحكم عليهم بشيء، بل يعاهدون على حماية أموالهم وأنفسهم ونسائهم وذريتهم فنعطيهم ذلك.
قوله: (وإذا حاصرت) . أي: ضربت حصارا يمنعهم من الخروج من مكانهم. (أهل الحصن) : أهل البلد أو مكان يتحصنون به.
(فأرادوك) : طلبوا منك.
(حكم الله ) ، أي: شرع الله .
قوله: (ولكن الله أنزلهم على حكمك) . فإذا أرادوا أن ينزلوا على حكم الله ، فإنهم لا يجابون، فإننا لا ندري أنصيب فيهم حكم الله أم لا؟
ولهذ قال: (أنزلهم على حكمك) ، ولم يقل: وحكم أصحابك كما قال في الذمة، لأن الحكم في الجيش أو السرية للأمير، وأما الذمة والعهد، فهي من الجميع، فلا يحل لواحد من الجيش أن ينقض العهد.