والحديث ورد مبسوطا في حديث أبي هريرة (1) أن هذا الرجل كان عابدا وله صاحب مسرف على نفسه، وكان يراه على المعصية، فيقول: أقصر. فوجده يوما على ذنب، فقال أقصر.فقال خلني وربي، أبُعثت علىّ رقيبا؟ فقال: والله، لا يغفر الله لك.
وهذا يدل على أن المسرف عنده حسن الظن بالله ورجاء له، ولعله كان يفعل الذنب ويتوب فيما بينه وبين ربه، لأنه قال: خلني وربي، والإنسان إذا فعل الذنب ثم تاب توبة نصوحا ثم غلبته عليه نفسه مرة أخرى، فإن توبته الأولى صحيحة، فإذا تاب ثانية فتوبته صحيحة، لأن من شروط التوبة أن يعزم أن لا يعود، وليس من شروط التوبة أن لا يعود.
وهذا الرجل الذي قد غفر الله له، إما أن يكون قد وجدت منه أسباب المغفرة بالتوبة، أو أن ذنبه هذا كان دون الشرك فتفضل الله عليه فغفر له، أما لو كان شركا ومات بدون توبة، فإنه لا يغفر له، لأن الله يقول: { إن الله لا يغفر أن يشرك به } (النساء: 116) .
قوله: (وأحبطت عملك) . ظاهر الإضافة في الحديث: أن الله أحبط عمله كله، لأن المفرد المضاف الأصل فيه أن يكون عاما.
ووجه إحباط الله عمله على سبيل العموم - حسب فهمنا والعلم عند الله - أن هذا الرجل كان يتعبد لله وفي نفسه إعجاب بعمله، وإدلال بما عمل على الله كأنه يمن على الله بعمله، وحينئذ يفتقد ركنا عظيما من أركان العبادة، لأن العبادة مبنية على الذل والخضوع، فلا بد أن تكون عبدا لله- - عز وجل - - بما تعبدك به وبما بلغك من كلامه، وكثير من الذين يتعبدون لله بما تعبدهم به قد لا يتعبدون بوحيه، قد يصعب عليهم أن يرجعوا على رأيهم إذا تبين لهم الخطأ من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ويحرفون النصوص من أجله، والواجب أن تكون لله عبدا فيما بلغك من وحيه، بحيث تخضع له خضوعا كاملا حتى تحقق العبودية.
(1) أبو داود: كتاب الأدب، باب في النهي عن البغي، حديث (4901) ، وأحمد (2/323) ، حديث (8275) .