فالدليل الخاص إذًا هو: أن تستدل بخصوص ما جاء في الكتاب والسنة من الأدلة على النذر؛ ولهذا أورد الشيخ هنا الدليل التفصيلي، وفي أول الكتاب أتى بالأدلة العامة على كل مسائل العبادة، وهذا من الفقه الدقيق في التصنيف، ومن الفقه في الأدلة الشرعية، أن المستدل على مسائل التوحيد ينبغي له أن يراعي التنويع؛ لأن تنويع الاستدلال، وإيراد الأدلة من عدة وجوه من شأنه أن يضعف حجة الخصوم الذين يدعون الناس لعبادة غير الله ، وللشرك به -جل وعلا-، فإذا أوردت على الخصم مرة دليلًا خاصًا وتارة دليلًا عامًا، ونوَّعت في ذلك، فإن هذا مما يضيق به المخاصم، ويقطع حجته، أما إذا لم تورد إلا دليلًا واحدًا فربما أوَّله لك، أو ناقشك فيه؛ فيحصل عند المستدل ضعف عند المواجهة، أما إذا انتبه لمقاصد أهل العلم، وحفظ الأدلة، فإنه يقوى على مجادلة الخصوم، والله -جل وعلا- وعد عباده بالنصر كما في قوله: { إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ } (غافر: 51) . وقد قال الشيخ -رحمه الله - في"كشف الشبهات": (والعامي من الموحدين يغلب الألف من علماء المشركين، وهذا صحيح فإن عند العوام الذين علموا مسائل التوحيد، وأخذوها عن أهلها عندهم من الحجج، ووضوح البينات في ذلك ما ليس عند بعض المتعلمين) .
وقول الله -تعالى-: { يُوفُونَ بِالنَّذْر } (الإنسان: من الآية7) وجه الاستدلال على كون النذر عبادة: ظاهر: وهو أن الله -جل وعلا- مدح الموفين للنذر، ومدحه للموفين بالنذر يقتضي أن الوفاء بالنذر محبوبة له -جل وعلا-، وأنه مشروع، وما كان كذلك فهو من أنواع العبادات، فيكون صرفه لغير الله -جل وعلا- شركًا أكبر.