وقوله: في هذه الآية { بِضُرٍّ } نكرة جاءت في سياق الشرط فتعم جميع أنواع الضر، سواء أكان ضرا في الدين، أم كان ضرا في الدنيا، يعني كان ضرا في الدنيا من جهة الأبدان، أو من جهة الأموال، أو من جهة الأولاد، أو من جهة الأعراض، ونحو ذلك إذًا: فمعنى قوله: { وَإِنْ يَمْسَسْكَ الله بِضُرّ } أيّ بأيّ نوع من أنواع الضر { فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ } .
أي الذي يكشف الضر في الحقيقة هو الله -جل وعلا- لا يكشف البلوى إلا هو-- سبحانه وتعالى -- وإذا كان المخلوق يقدر على ذلك الكشف فإنما هو من جهة أنه سبب فالله هو الذي جعله سببا يقدر على أن يكشف بإذن الله -جل وعلا- وإلا فالكاشف حقيقة هو الله -جل وعلا- والمخلوق، ولو كان يقدر، فإنما قدر بإقدار الله له؛ إذ هو سبب من الأسباب، فالحاصل أن الكاشف على الحقيقة هو الله وحده.
(ق) : قوله: { وإن يردك بخير } ، هنا قال: { يردك } ، وفي الضر قال: { يمسسك } فهل هذا من باب تنويع العبارة، أو هناك فرق معنوي؟.
الجواب: هناك فرق معنوي، وهو أن الأشياء المكروهة لا تنسب إلى إرادة الله ، بل تنسب إلى فعله، أي: مفعوله. فالمس من فعل الله ، والضر من مفعولاته، فالله لا يريد الضر لذاته، بل يريد لغيره، لما يترتب عليه من الخير، ولما وراء ذلك من الحكم البالغة، وفي الحديث القدسي:"إن من عبادي من لو أغنيته أفسده الغنى" (1) .
أما الخير، فهو مراد الله لذاته، ومفعول له، ويقرب من هذا ما في سورة الجن: { وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدًا } [الجن: 10] .
(1) ضعيف: أخرجه الحكيم الترمذي في النوادر (2/232) من حديث أنس، والخطيب في التاريخ (6/14) من حديث عمر بن الخطاب. وضعفه الألباني في الضعيفة (1783) وضعيف الجامع (75) .