فحصر الحكم في أمرين لا ثالث لهما عنده و هما الحق و الهوى . و قال أيضا: { فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ} الآية [1] .
و الآية المذكورة بيّنت أن الشّريعة الإسلامية علم و حق و هدى و أن الهوى مذموم و لم يذكر في القرآن إلا في سياق الذّم و من تتبّع الآيات ألفى ذلك .
و إذا ثبت هذا و أن الأمر دائر بين الشّرع و الهوى تزلزلت قاعدة حكم العقل المجرّد ،و ليس له فيها مجال و تحكيمه يجري تحت نظر الهوى لتشريع الأحكام ،و لأن الشّارع وضع الشرائع و ألزم الخلق على تحكيمها و صار هؤلاء المشّرعون من دون الله مضاهين له ،و إلا فلو كان التشريع من مدركات الخلق لما أنزل الشرائع و لا احتيج إلى بعث الرّسل عليهم السلام .
فهذا الذي شرّع القوانين قد صيّر نفسه نظيرا و مضاهيا حيث شرّع مع الشارع و ردّ أحكامه و نفاها و كفى إثما بعد ذلك ...
فصل:
مرجعية الشريعة الإسلامية:
إن مرجعية الشريعة الإسلامية إلى الكتاب و السنّة النّبوية و ما فهمه السلف الصالح و العلماء الأعلام و دلالة الوحيين تدل على ذلك و منها قول الله تعالى: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [2] و حبل الله كما فسّره المفسّرون هو عهد الله و ذمّته و قيل القراءات و قيل الجماعة و الكل بمعنى واحد .
و قد دلاّ على تحكيم الشريعة في جميع الأمور العقائدية و الدعوية و الأخلاقية و السياسية و الإجتماعية و الإقتصادية و كذا جميع شؤون الناس و حياتهم ،وقال النّبي - صلى الله عليه وسلم -: « و ما لم تحكم أئمتكم بكتاب الله و يتخيّروا مما أنزل الله إلا جعل بأسهم بينهم » [3] .
(1) القصص/ 50
(2) آل عمران /103
(3) حسن رواه ابن ماجه و أبو نعيم و الحاكم و صححه ووافقه الذهبي عن ابن عمر رضي الله عنهما .