الصفحة 115 من 593

يرد في هذا المعنى حديث صحيح ولا ضعيف ولا موضوع، ولكن الزنادقة الذين حاولوا العبث بدين الإسلام كما كان يفعل أمثالهم في الأديان الأخرى لما عجزوا عن زيادة حرف في القرآن أو نقص حرف منه؛ لحفظه في الصدور والصحف أرادوا أن يشككوا بعض المسلمين فيه بشيء يضعونه عن لسان الصحابة الكرام فزعم بعضهم أن عكرمة قال: لما كتبت المصاحف عرضت على عثمان فوجد فيها حروفًا من اللحن فقال: (لا تغيروها فإن العرب ستغيّرها، أو قال: ستقرأها بألسنتها، ولو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم توجد فيه هذه الحروف) . وفي لفظ آخر: (أحسنتم وأجملتم، أرى شيئًا من لحن ستقيمه العرب بألسنتها. ولو كان المملي من هذيل والكاتب من قريش لم يوجد هذا) ، ولما تصدى المحدثون -رضي الله عنهم- لنقد الحديث والأثر من جهة الرواية التي راج في سوقها الطيب والخبيث تبين لهم في هذا الأثر ثلاث علل: الانقطاع، والضعف والاضطراب؛ فهو لا يعوّل عليه لو كان في الحث على فضائل الأعمال فكيف يلتفت إليه في موضوع هو أصل الدين الأصيل وركنه الركين؟ ومن يدري إن كان الساقط من سنده مجوسي، أو دهري، أو إسرائيلي؟ على أن الكلمة التي نسبت إلى عثمان تدل على أن اللحن في الرسم، وأنه لم يكن مما يشتبه في قراءته؛ لأنه لا يحتمل في النطق وجهًا آخر، كرسم الصلاة والزكاة والحياة بالواو مثلًا (الصلوة الحيوة) . ولكن الموسوسين حملوا ذلك على كلمات قليلة جاءت في المصحف على خلاف القواعد النحوية التي وضعها الناس لكلام العرب وتحكَّمُون بها عليهم، ومن ذلك الآية التي أشار إليها السائل وهي قوله تعالى: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} (النساء: 162) وإنني لأعجب من دخيل في لغة قوم يتحكم عليهم في شيء يخترعه هو ويجعله أصلًا لها، وأعجب من هذا أن يكون هذا التحكم على أصح شيء في اللسان فإن الذين يؤولون ما ورد عن بعض سفهاء الأعراب من الشعر المخالف للقواعد أو يكتفون بأنه صحيح - لأنه هكذا سُمع - يتوقفون في بعض الكلم من القرآن إذا رأوا أنها على خلاف القياس. على أن علماء العربية خرجوا تلك الكلمات على ما يوافق قواعدهم من وجوه مذكورة في كتب التفسير وكتب النحو لا محل لها هنا. وسنفصل القول في مسألة جمع القرآن في دروس الآمالي الدينية بما يشفي الصدور إن شاء الله تعالى )) [1] .

(1) محمد رشيد رضا: الأسئلة و الأجوبة، مجلة المنار، ج 5 ص: 21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت