الصفحة 116 من 593

ومنهم المُفسر محمود الألوسي، قال: (( وأما قول عثمان إن في القرآن لحنا إلخ، فهو مشكل جدا، إذ كيف يُظن بالصحابة أولا اللحن في الكلام فضلا عن القرآن وهم هم؟. ثم كيف يُظن بهم ثانيا إجتماعهم على الخطأ وكتابته؟. ثم كيف يُظن بهم ثالثا عدم التنبه والرجوع؟. ثم كيف يُظن بعثمان عدم تغييره؟ , وكيف لتقيمه العرب؟. وإذا كان الذين تولوا جمعه لم يقيموه وهم الخيار فكيف يقيمه غيرهم؟ فلعمري إن هذا مما يستحيل عقلا وشرعا وعادة. فالحق إن ذلك لا يصح عن عثمان والخبر ضعيف مضطرب منقطع وقد أجابوا عنه بأجوبة لا أراها تقابل مؤنة نقلها والذي أراه أن رواة هذا الخبر سمعوا شيئا ولم يتقنوه فحرفوه فلزم الإشكال وحل الداء العضال ) ) [1] .

وأما الحافظ جلال الدين السيوطي فإنه فرق بين الرواية التي ذكرت أن عثمان قال: (( ستقيمه العرب بلسانها ) )، وبين التي ذكرت أنه قال: (( أحسنتم وأجملتم أرى شيئا سنقيمه بألسنتنا ) ). فقال عن الثانية: (( فهذا الأثر لا إشكال فيه وبه يتضح معنى ما تقدم فكأنه عرض عليه عقب الفراغ من كتابته فرأى فيه شيئا كتب على غير لسان قريش كما وقع لهم في التابوة والتابوت فوعد بأنه سيقيمه على لسان قريش ثم وفى بذلك عند العرض والتقويم ولم يترك فيه شيئا ولعل من روى تلك الآثار السابقة عنه حرفها ولم يتقن اللفظ الذي صدر عن عثمان فلزم منه ما لزم من الإشكال فهذا أقوى ما يجاب عن ذلك ولله الحمد ) ) [2] .

وأقول: إن تفسيره هذا ضعيف جدا، بل ولا يصح، بدليل الشواهد الآتية: أولها مفاده أن تلك الرواية لم تصح بكل طرقها وأسانيدها سواء التي ذكرت مقولة عثمان الأولى أو الثانية، وهذا يتطلب رفض الرواية كاملة، خاصة وأن متنها مُنكر ومخالف للشرع والتاريخ الصحيح. فالرواية لا تحتاج إلى التأويل الذي قال به السيوطي، ولا فائدة من قوله والأخذ به. لأن هذا لا يحل المشكل، ويُبقي باب الطعن في القرآن مفتوحا بسبب تلك الرواية من جهة، والتي ستبقى تشوش على المسلمين دينهم من جهة أخرى.

والشاهد الثاني إن المقولة التي أوّلها السيوطي لا تحتمل الوجه الذي أخذ به فقط، وإنما تبقى تحتمل أيضا الوجه الذي قالت به المقولة الأولى، وهي:

(1) محمود الألوسي: روح المعاني، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج 1 ص: 30.

(2) السيوطي: الإتقان في علوم القرآن، ج 1 2 ص: 19.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت