(( ستقيمه العرب بلسانها ) ). فهذا المعنى تحتمله أيضا المقولة الثانية: (( سنقيمه بألسنتنا ) ). بمعنى أننا نحن العرب، أو المسلمون سنقيمه بألسنتنا. فهو لم يقل: سنقيمه بلساني، وإنما: سنقيمه بألسنتنا، بضمير الجمع. وهذا المعنى أرجح من المعنى الذي أخذ به السيوطي.
والشاهد الثالث إنه لا يصح التسليم ولا افتراض حدوث لحن أو خطأ في رسم القرآن، لأن الذين تولوا توحيده هم من حفظة القرآن، ومن أعلم الصحابة به: فهمًا ورسمًا ولغة، وهم عرب أقحاح، على رأسهم كبير كُتاب الوحي زيد بن ثابت- رضي الله عنه-. فجماعة هذا حالها لا يصح القول بأنه غاب عنها شيء من رسم القرآن الكريم، أوأنها تعمدت تركه، مما يعني أن ما زعمته تلك الرواية لا يصح.
والشاهد الأخير- الرابع- مفاده أن ما زعمته تلك الرواية ترده الرواية الصحيحة التي ذكرت ما حدث في توحيد المصاحف زمن عثمان بن عفان. فلم تذكر ما ذكرته تلك الرواية ولا التأويل الذي قال به السيوطي، وإنما ذكرت أن عثمان قال للجماعة الذين كلفهم بالكتابة: (( إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في عربية من عربية القرآن فاكتبوها بلسان قريش فإن القرآن أنزل بلسانهم ففعلوا ) ) [1] . فلم يقل لهم: اتركوه حتى نقيمه بألسنتنا، ولا: ستقيمه العرب بلسانها. لأن القوم كانوا في مستوى المهمة، وعلى علم تام بها وبتفاصيلها، لهذا خولهم عثمان القيام بذلك. وهذا الذي حدث فعندما تمت المهمة أرجع عثمان المصحف البكري إلى حفصة أم المؤمنين ولم يقل ما زعمته تلك الرواية [2] .
والرواية الخامسة عشرة مفادها أن ابن أبي داود قال: (( حدثنا عبد الله قال: حدثنا الفضل بن حماد الخيري، حدثنا خلاد يعني ابن خالد، حدثنا زيد بن الحباب، عن أشعث، عن سعيد بن جبير قال:"في القرآن أربعة أحرف لحن:"الصابئون"،"والمقيمين"،"فأصدق وأكن من الصالحين"، و"إن هذان لساحران" ) ) [3] ."
وأقول: هذه الرواية تطعن صراحة في المتن القرآني بأنه تضمن كتابة كلمات غير صحيحة لفظا ورسمًا، فهل هذا الزعم صحيح؟!. إنه لا
(1) البخاري: الصحيح، ج 6 ص: 182، رقم: 4984.
(2) البخاري: الصحيح، ج 6 ص: 183، رقم: 4987.
(3) ابن أبي داود: المصاحف، ص: - 232.