والشاهد الأخير- الثالث- مضمونه بما أن القرآن هو مصدر اللغة العربية الأول والأساسي من دون منازع، فيجب أن يكون أيضا هو الحَكم، ولا يصح أن تتحكم فيه القواعد اللغوية التي دُونت بعده بأكثر من 150 سنة. وعليه فإن ورود تلك العبارات خلاف القاعدة التي وردت عليها الكلمات الأخرى في القرآن والسنة وتراث السلف، لا يعني أنها غير صحيحة، وإنما يعني أن تلك الكلمات المخالفة للأصل المعروف، يصح كتابتها كذلك حسب معناها وسياقها الذي وردت فيه. وقد أجاب العلماء عن الحالات التي وردت فيها تلك العبارات، و بينوا وجه الصواب فيها [1] .
والرواية السادسة عشرة مفادها أن عبد الرزاق الصنعاني قال: (( قال الثوري: وبلغنا أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقرؤون القرآن، أصيبوا يوم مسيلمة، فذهبت حروف من القرآن ) ) [2] .
وأقول: هذه الرواية ظاهرة البطلان إسنادا ومتنا، فأما إسنادا فهي منقطة، تضمنت راويا واحدا فقط، وعبد الرزاق قد علّقه. وأما متنا فهي لا تصح لأنها مخالفة للقرآن الكريم وللصحيح من الأخبار المتعلقة بجمع القرآن الكريم وتوحيده، وقد سبق أن ذكرنا منها شواهد كثيرة، فلا نعيدها هنا. لكن الأمر الهام والخطير الذي يجب أن نتنبه له هو أن هذه الرواية هي شاهد دامغ على أنه وُجد رواة تفرغوا لاختلاق الروايات ومعارضة بها الأخبار الصحيحة، لتحقيق غايات في نفوسهم. لأن الرواية الصحيحة تقول: (( إن زيد بن ثابت الأنصاري- رضي الله عنه- ... قال أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه وإني لأرى أن تجمع القرآنز قال أبو بكر: قلت لعمر كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم -؟،فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري ورأيت الذي رأى عمر. قال زيد بن ثابت: وعمر عنده جالس لا يتكلم، فقال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال أبو بكر: هو والله خير فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر، فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال .. ) ) [3] . فهذه الرواية لم تشر من بعيد ولا من قريب أنه ضاعت حروف من القرآن، وإنما نصت صراحة على أنه لم يضع منه حرف، وإنما لما تخوّف عمر من أن استمرار القتل في قراء القرآن قد يؤدي إلى ضياع كثير من القرآن، اقترح على خليفة المسلمين بأن يتولى جمع القرآن، كخطوة احترازية تضمن عدم تعرض القرآن لخطر ضياع بعضه. لكن تلك الرواية الباطلة خالفت ما ذكرته الرواية الصحيحة وزعمت أن قراء القرآن قتلوا وضاعت حروف من القرآن!!.
ومن جهة أخرى كان على عبد الرزاق الصنعاني أن لا يروي الخبر ويسكت عليه، وهو يعلم عدم صحته إسنادا ومتنا!!. فكان من الواجب عليه أن لا يرويه لأنه غير صحيح، وان رواه كان عليه أن يُعلق عليه ويُبين عدم صحته. لكنه رواه وسكت عنه، وهذا لا يصح، لأنه ترويج للأكاذيب والأباطيل، وهو سكوت قد يكون من علامات الرضا.
وإنهاءً لهذا المبحث يتبين منه أن رواياته الكثيرة والمُتعددة الطرق التي زعمت أن القرآن قد تعرض للتحريف عند جمعه وتوحيده، هي روايات باطلة إسنادا ومتنا، ولم تصح منها ولا رواية واحدة. وهي من جهة أخرى أدلة دامغة على وجود طائفة من الرواة احترفت اختلاق الروايات وتحريف التاريخ لغايات في نفوس أتباعها. فارتكبت بذلك جريمة كبرى في حق القرآن والإسلام والمسلمين، بل وفي حق البشرية جمعاء.
ثانيا: نقض الأخبار القائلة بمعارضة بعض الصحابة لعثمان في توحيده للمصاحف:
ذكرت كثير من الروايات -الواردة في المصادر السنية- أن توحيد عثمان بن عفان للمصاحف لم يكن بإجماع من كل الصحابة، فقد عارضه بعض أعيانهم، وأن مصحفه الذي وحده كان مخالفا لمصحف أهل المدينة، ولمصحف ابن مسعود، مما يعني أن القرآن الذي وصلنا قد
(1) عن ذلك انظر تعليق المحقق على كتاب المصاحف لابن أبي داود،،هامش ص: 232 ..
(2) عبد الرزاق: المصنف، رقم الأثر: 13363، ج 7 ص: 329.
(3) البخاري: الصحيح، ج 6 ص: 71، رقم: 4679.