الصفحة 122 من 593

الرواية لورد إلينا هذا الخبر بطرق كثيرة، بل بالتواتر بحكم طبيعة الخبر وخطورته.

والشاهد الثاني مضمونه أنه ليس صحيحا أن قراءة عثمان كانت تختلف عن قراءة أهل المدينة، وإنما الحقيقة هي أن قراءة عثمان لم تكن تختلف عن قراءة أهل المدينة، لأن قراءته هي نفسها قراءة علي، وأبي بن كعب، وابن مسعود [1] .

والشاهد الأخير- الثالث- مفاده أن مما يبطل ذلك ويشهد على أن تلك الرواية مكذوبة هو أن مصحف عثمان وباقي مصاحف الصحابة قبل توحيد المصاحف لم يكن لها وجود بعد توحيد المصاحف. لأن الثابت هو أن عثمان والصحابة وغيرهم من المسلمين أحرقوا مصاحفهم بأمر من خليفة المسلمين عثمان بن عفان. فمن أين لمختلق هذه الرواية من مصحف عثمان ومصاحف أهل المدينة التي زعم أنه اطلع عليها في القرن الثاني الهجري!!.

والرواية الثانية زعمت أن عبد الله بن مسعود كان يرفض توحيد القراءات قبل أن يشرع عثمان في توحيدها. قال ابن أبي داود: (( حدثنا عبد الله قال: حدثنا شعيب بن أيوب، حدثنا يحيى بن آدم قال: حدثنا عمرو بن ثابت قال: حدثنا حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الشعثاء قال: كنا جلوسا في المسجد وعبد الله يقرأ فجاء حذيفة فقال:"قراءة ابن أم عبد وقراءة أبي موسى الأشعري والله إن بقيت حتى آتي أمير المؤمنين، يعني عثمان، لأمرته بجعلها قراءة واحدة قال: فغضب عبد الله فقال لحذيفة كلمة شديدة قال فسكت حذيفة") ) [2] .

وأقول: واضح من تلك الرواية أن قراءة بعض كبار الصحابة كابن مسعود وأبي موسى الأشعري كانت تخالف قراءات الصحابة الصحيحة التي تضمنها المصحف القرآني. وان هؤلاء الصحابة هم الذين تزعموا نشر القراءات المخالفة لما كان عليه عامة الصحابة، وليس عوام الناس هم الذين ابتدعوا القراءات الشاذة. مما يعني أن المصحف العثماني الذي بين أيدينا ربما يكون قد أصابه نوع من أنواع التحريف!! فهل تلك الرواية التي زعمت هذه المزاعم صحيحة؟!

(1) السيد بن أحمد بن عبد الرحيم: أسانيد القراء العشرة: المرحلة الأولي، ط2، دار الصحابة طنطا، مصر، 2006، ص:27، 41، 43، 44، 55.

(2) أبو بكر بن أبي داود: المصاحف، رقم الأثر: 37، ص: 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت