21هـ [1] ، والمصاحف وحدّها عثمان بن عفان سنة 25هـ. فهذا شاهد قوي على اختلاق محرفي التاريخ لهذه الرواية وتلاعبهم بها. فكانت دليلا قويا ضدهم، عندما كشفت اختلاقهم لها.
والشاهد الخامس مضمونه أن تلك الرواية زعمت أن عبد الله بن مسعود رفض توحيد القراءات، وهذا زعم باطل. لأن الثابت قطعا إن ابن مسعود لم يُخالف ذلك أصلا، بدليل أن قراءته هي من بين القراءات الصحيحة التي اقرها المصحف العثماني، كقراءة عاصم، فابن مسعود من رواتها [2] .
والشاهد السادس إن مما يُبطلها أيضا أنها تضمنت أمرا باطلا، اختلقه محرفو التاريخ ليردوا به الخبر الصحيح المشهور المتعلق بسبب توحيد المصاحف زمن عثمان بن عفان- رضي الله عنه-. فهي زعمت أن حذيفة بن اليمان كان في الكوفة مع أبي موسى الأشعري وابن مسعود- رضي الله عنهم- واقترح عليهم توحيد القراءات، فأنكر عليه ابن مسعود. وهذا لم يصح إسنادا ولا متنا، لأنه كان مًختلقا ومُوجها لتحقيق غاية مُخطط لها سلفا. إنه لم يصح لأن الصحيح هو أن حذيفة بن اليمان لم يكن مُقيما في الكوفة، وإنما كان واليا على المدائن ببلاد فارس. وسبب اتصاله بالخليفة وإخباره بما رآه من اختلافات ليس هو كما ذكرته هذه الرواية وإنما هو كما ذكرته الرواية الصحيحة التي لا ذكر فيها لابن مسعود ولا لأبي موسى الأشعري، ولا للكوفة. فقد ذكرت أن (( حذيفة بن اليمان قدم على عثمان -وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق- فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك. فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم ففعلوا. حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق ) ) [3] .
والرواية الثالثة مفادها أن ابن أبي داود قال: (( حدثنا عبد الله قال: حدثنا زياد بن يحيى أبو الخطاب الحساني، حدثنا كثير يعني ابن هشام، حدثنا جعفر، حدثنا عبد الأعلى بن الحكم الكلابي قال: أتيت دار أبي موسى الأشعري، فإذا حذيفة بن اليمان، وعبد الله بن مسعود، وأبو موسى الأشعري فوق أجار لهم، فقلت: هؤلاء والله الذين أريد فأخذت أرتقي إليهم، فإذا غلام على الدرجة فمنعني فنازعته فالتفت إلي بعضهم قال: خل عن الرجل فأتيتهم حتى جلست إليهم، فإذا عندهم مصحف أرسل به عثمان وأمرهم أن يقيموا مصاحفهم عليه، فقال أبو موسى:"ما وجدتم في مصحفي هذا من زيادة فلا تنقصوها، وما وجدتم من نقصان فاكتبوه، فقال حذيفة: كيف بما صنعنا؟ والله ما أحد من أهل هذا البلد يرغب عن قراءة هذا الشيخ، يعني ابن مسعود، ولا أحد من أهل اليمن يرغب عن قراءة هذا الشيخ، يعني أبا موسى الأشعري، وكان حذيفة هو الذي أشار على عثمان رضي الله عنه بجمع المصاحف على مصحف واحد، ثم إن الصلاة حضرت، فقالوا لأبي موسى الأشعري: تقدم فإنا في دارك، فقال: لا أتقدم بين يدي ابن مسعود، فتنازعوا ساعة، وكان ابن مسعود بين حذيفة وأبي موسى فدفعاه حتى تقدم فصلى بهم") ) [4] .
واضح من هذه الرواية أنها نصت على أن بعض الصحابة قد خالفوا ما فعله عثمان في توحيده للمصحف، منهم أبو موسى الأشعري، وابن مسعود. وأنها صرّحت بأن القرآن الكريم قد دخله التحريف بالزيادة والنقصان. فهل ما زعمته هذه الرواية صحيح؟؟!!.
إن ذلك زعم باطل، لأن الرواية لا تصح إسنادا ولا متنا. فأما إسنادا فمن رجالها: جعفر بن برقان الكلابي) (ت 150 هـ) قيل فيه: ثقة، فيه ضعف واضح من جهة الضبط، روى مناكير، حدث عن بعض الرواة ولم يسمع منهم [5] . كان كثير الخطأ في حديثه. وقال فيه أبو بكر بن خزيمة:
(1) الزركلي: الأعلام، ج 4 ص: 261. و الموسوعة العربية العالمية، مادة: أبو الشعثاء جابر بن زيد.
(2) السيد بن أحمد بن عبد الرحيم: أسانيد القراء العشرة: المرحلة الأولي، ط2، دار الصحابة طنطا، مصر، 2006، ص: 42، 43.
(3) البخاري: الصحيح، ج 6، ص: 183، رقم: 4987.
(4) ابن أبي داود: المصاحف، ص: - 239 - 240.
(5) ابن حجر: تهذيب التهذيب، رقم: 131، ج 1 ص: 57 - 58. و العلائي: جامع التحصيل، ص: 154.