ثم قال ابن طاهر: كان شديد التعصب للشيعة في الباطن، وكان يظهر التسنن في التقديم والخلافة، وكان منحرفًا عن معاوية وآله, متظاهرًا بذلك ولا يعتذر منه )) . وقال الذهبي (( قلت: أما انحرافه عن خصوم علي فظاهر، وأما أمر الشيخين فمعظم لهما بكل حال فهو شيعي لا رافضي ) ) [1] .والراجح جدا عندي أن هذا الرجل شيعي إمامي كان يُمارس التقية يتعيش بها بين أهل السنة، وإنما يُظهر بعض التسنن كما ذكر ابن طاهر. علما بأن الرافضي لا يُمكن أن يكون ثقة في الحديث من الناحية العملية, وإذا كان صادقا فلن يكون رافضيا، لأن الرفض يقوم على تكذيب الوحي الصحيح وما يُوافقه من العقل الصريح، والتاريخ الصحيح.
وهذا الموقف قال به الشيعة الإمامية، فقد جعلوه من رجالهم، وألحقوا مضنفاته بتراثهم، ووصفه بعضهم بأنه من أبطال الشيعة وسدنة الشريعة [2] .
وقال الخطيب البغدادي: (( كان بن البيع- الحاكم- يميل إلى التشيع فحدثني أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الأرموي بنيسابور وكان شيخا صالحا فاضلا عالما قال: جمع الحاكم أبو عبد الله أحاديث زعم أنها صحاح على شرط البخاري ومسلم يلزمهما إخراجها في صحيحيهما منها حديث الطائر، ومن كنت مولاه فعلى مولاه فأنكر عليه أصحاب الحديث ذلك ولم يلتفتوا فيه إلى قوله ولا صوبوه في فعله ) ) [3] . لاحظ من يفعل هذا فهو شيعي إمامي وليس متشيعا ولا شيعيا سنيا. وفي ذلك ذَكر ابن الجوزي: (( قال ابن ناصر-عن حديث الطير- حديث موضوع إنما جاء من سقاط آهل الكوفة عن المشاهير والمجاهيل عن انس وغيره. قال ابن طاهر: فلا يخلو الحاكم من أمرين إما أنه يجهل الصحيح فلا يعتمد على ما يقوله وإما يعلمه ثم يقول خلافه فيكون معاندا كذبا ) ) [4] .
فالحاكم ضعيف من جهة عدالته وفيه غلو في التشيع، و قد ترجم له الشيعة واثنوا عليه، وقد طعن فيه بعض محدثي أهل السنة. كما أنه ضعيف جدا من جهة ضبطه، فمن المعروف أنه متساهل جدا في التحقيق. وكتابه المستدرك مملوء بالأخطاء والروايات الباطلة، قال فيه شمس الدين الذهبي: (( ولا ريب أن في المستدرك أحاديث كثيرة ليست على شرط
(1) الذهبي: تذكرة الحفاظ، ج 3 ص: 165 - 166.
(2) أنظر مثلا: أغا برزك الطهراني: الذريعة إلى تصانيف الشيعة، رقم: 7300، ج 21 ص: 366، رقم: 1083، ج 27، ص: 295. و عباس القمي: الكنى و الألقاب، ج 2 ص: 191.
(3) تاريخ بغداد، رقم: 3024، ج 5 ص: 473.
(4) ابن الجوزي: المنتظم، رقم: 434، ج 7 ص: 274.