وأما متنا فالرواية لا تصح أيضا من جهة مضمونها لما سبق أن نقضنا به الطريق الأول من الرواية، بحكم أن المتن واحد في عمومه. ولأنها تضمنت معطيات تشهد على ضعفها وتلاعب الرواة بها لتحقيق غايات في نفوسهم. منها قولها: (( قد أمر بكتاب الله أن يمزق كل ممزق ) ). فهذا كذب مفضوح ومُتعمد من محرف الرواية لغاية في نفسه، لأن الصحيح هو أن عثمان لم يأمر بتمزيق كتاب الله، وإنما بعدما وحده بإجماع من الصحابة في المدينة أرسل المصاحف الموحدة إلى الأقاليم وأمر بحرق غيرها من المصاحف التي كانت عند المسلمين. فلماذا هذا الكذب المفضوح، والتهويل المُتعمد، والتوجيه المُغرض لما قام به عثمان؟؟!!.أليس هذا شاهد قوي على ضعفها وتلاعب الرواة بها؟؟!!.
ومن تلك المعطيات أيضا أن الرواية الأولى ذكرت أن الذي روى الخبر على أنه شاهد عيان، واتصل بأبي موسي لأشعري وحذيفة، وابن مسعود- رضي الله عنهم- وحضر ما جرى بينهم هو عبد الأعلى بن الحكم الكلابي، لكن الطريق الثاني ذكر أنه أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل. وفي رواية أخرى أن الذي حضر هو مرة بن شراحيل الهمداني الكوفي (ت76هـ أو بعدها) [1] . فلماذا هذا الاختلاف، وماذا يعني؟؟!!. أليس من المُستبعد أن تتكرر نفس الحادثة مع شخصين مختلفين؟؟!!.
ومنها أيضا أن الطريق ذكر أن رد فعل حذيفة كان ضعيفا وسلبيا، لكن الثاني خالفه ونص صراحة على غضبه واستنكاره على ابن مسعود. وفي طريق آخر أنه لم يحدث بينهما نزاع ولا خلاف [2] . فلماذا اختلفت الطرق الثلاثة؟؟!!، فإما أنه استنكر بشدة كما ذكر الطريق الثاني، وإما أنه فعل ما ذكره الأول، وإما أنه لم يحدث بينهما نزاع كما في الطريق الثالث!!. وأما الزعم بأن كل ذلك حدث بينهما فلا يصح. وهذا شاهد على ضعف الرواية وتلاعب الرواة بها.
والرواية الرابعة تتعلق بموقف الصحابي عبد الله بن مسعود من توحيد عثمان للمصاحف وتعيينه لزيد بن ثابت على رأس الجماعة التي كلفها بذلك. وقد رُوي موقف ابن مسعود من طرق كثيرة، تحمل كلها موقفه المعارض لما فعله عثمان بن عفان من جهة. وهي تتضمن القول بتعرض القرآن الكريم للتحريف من جهة أخرى. فهل هذه المعارضة المزعومة صحيحة؟؟!!. إجابةً عن ذلك نورد أولا طائفة من تلك الطرق ننقدها إسنادا في موضع واحد، ثم نتفرغ لنقدها متنا ثانيا.
أولها رواية مفادها: (( حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلى، أخبرنا عبدة بن سليمان، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله أنه قال:"ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة"ثم قال:"على قراءة من تأمروني أن أقرأ، فلقد قرأت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بضعا وسبعين سورة ولقد عَلِم أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنى أعلمهم بكتاب الله ولو أعلم أن أحدا أعلم منى لرحلت إليه". قال شقيق فجلست في حلق أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم- فما سمعت أحدا يرد ذلك عليه ولا يعيبه ) ) [3] .
وأقول: هذا الخبر لا يثبت من جهة إسناده، لأن من رجاله: الأعمش: سليمان بن مهران (61 - 148 هـ) : قيل فيه: ثقة، ثبت، حافظ، في حديثه اضطراب كثير، فيه تشيع، مُدلس روى عن أناس أحاديث كثيرة جدا لم يسمعها منهم، وقد دلس عن الثقات والضعفاء، وعن المشهورين والمغمورين. وكان كثير الوهم في أحاديث الضعفاء الذين دلس عليهم [4] . وقال ابن المبارك: (( إنما أفسد حديث أهل الكوفة الأعمش وأبو إسحاق. كره أحمد مراسيل الأعمش، لأنه كان لا يُبالي عمن يُحدث، ويُسقط الضعيف الذي بينه وبين الثقة [5] . وفعله هذا عمل مُتعمد، وهو من أنواع التحريف والافتراء والتغليط!!.
وقال جرير: سمعت مغيرة يقول: أهلك أهل الكوفة أبو إسحاق وأعمشكم هذا كأنه عنى الرواية عمن جاء )) [6] . و جعله ابن قتيبة من رجال الشيعة [7] ،وعده الجوزجاني من بين محدثي شيعة الكوفة الذين لم يحمد الناس مذاهبهم، لكنهم حملوهم لصدق ألسنتهم [8] . وعده الشهرستاني من بين رجال الشيعة أيضا [9] . وقال يزيد بن زريع عن سليمان الأعمش: ((
(1) أبو بكر بن أبي داود: المصاحف، رقم الأثر: 40، ص: 14.
(2) أبو بكر بن أبي داود: المصاحف، رقم الأثر: 40، ص: 14.
(3) مسلم: الصحيح، رقم الحديث: 6486، ج 7 ص: 148. والنسائي: السنن الكبرى، ج 5 ص: 6، رقم: 7997.
(4) ابن حجر: تهذيب التهذيب، رقم: 386، ج 3 ص: 150 و ما بعدها. و سبط ابن العجمي: التبيين لاسماء المدلسين، رقم: 33، ص: 5. و الذهبي: ميزان الاعتدال، رقم: 3517، ج 4 ص: 153.
(5) ابن قيم الجوزية: تهذيب سنن أبي داود و إيضاح مشكلاته، ج 1 ص: 9. و ابن عبد البر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني و الأسانيد، ج 1 ص: 32. و العلائي: جامع التحصيل في أحكام المراسيل، ج 1 ص: 32.
(6) الذهبي: المغني في الضعفاء، رقم: 2628، ص: 135.
(7) المعارف، ص: 139.
(8) أبو إسحاق الجوزجاني: أحوال الرجال، ص: 10. ابن حجر: تهذيب التهذيب، ج 7 ص: 47.
(9) الشهرستاني: الملل و النحل، حققه سيد كيلاني، دار المعرفبيروت، 1404 ـ ج 1 ص: 172.