الصفحة 143 من 593

أبو داود السجستاني: (( لا أكتب حديثه ولا أحدث عنه، ما أشك أنه كان يفتعل الحديث، ليس ننظر للواقدي في كتاب إلا تبيّن أمره ) ) [1] . وقال فيه يحيى بن معين: أغرب [2] الواقدي عن رسول الله -صلى الله عليه و سلم - عشرين ألف حديث، وفي رواية أخرى أنه اغرب في ثلاثين ألف حديث [3] . واضح من ذلك أن الرجل هو الذي اختلق ذلك الكم الكبير من الأحاديث. لذلك لم يرو عنه البخاري ومسلم، والنسائي وأبو داود والترمذي، وروى له ابن ماجة حديثا واحدا فقط، و لم يذكره باسمه، فما جسر أن يُفصح عنه لوهنه عند العلماء [4] .

وللواقدي مصنفات كثيرة سارت بها الركبان، هي في المغازي والسيّر والطبقات و الفقه [5] . لكنه لم يكن أمينا، فهو ليس بثقة ومتهم بالكذب، وكان حاطب ليل في تأليفه لكتبه، خلّط فيها بين الغث والسمين، والخرز بالدر الثمين، لذا طرحه العلماء ولم يحتجوا به [6] . ومن كان هذا حاله فمروياته ليس لها قيمة علمية كبيرة، ولا يمكن أن نثق فيها، ولا نأخذ منها إلا بحذر بعد تحقيقها وتمحيصها. ومن كانت تلك هي أخلاقه ومنهجيته، فمن والواضح جدا أنه سيملأ كتبه بالأكاذيب قدر ما يستطاع، لذا قال الإمام الشافعي عن مصنفاته: كُتب الواقدي كذب [7] . وقال الحافظ علي بن المديني: كَتبَ الواقدي كُتبَه عن الكذاب إبراهيم بن يحيى [8] . وبذلك اجتمعت في كتبه أكاذيبه ومفتريات إبراهيم بن يحيى، و أباطيل المجاهيل الذين روى عنهم، لتصبح كتبه في حالة غير مقبولة، ويصدق عليها قول الشافعي الآنف الذكر.

وهو محسوب على أهل السنة لكن الحقيقة أنه من محرفي وكذابي الشيعة الإمامية، وقد تبيّن لي أنه كان شيعيا يمارس التقية، يخفي التشيع ويُظهر التسنن، وأدلتي على ذلك ثلاثة، أولها إن كثيرا من علماء الحديث قد كذبوه واتهموه بوضع الحديث ورواية المناكير عن المجهولين، ومن هؤلاء العلماء: الشافعي، وأحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي، وأبو داود، والترمذي [9] - رضي الله عنهم -. وفي مقابل هؤلاء وثّقه آخرون كإبراهيم الحربي، وأبي بكر الصاغاني، ومصعب بن عبد الله [10] . و هذا يشير إلى أن الرجل -أي الواقدي - كان يمارس التقية في تعامله مع أهل العلم، فطائفة تبيّن لها كذبه، وأخرى لم يتبين لها ذلك منه، لأنه كان متلونا في سلوكياته.

والدليل الثاني هو أن الواقدي روى أخبارا شيعية تتفق مع مذهبه، منها أنه روى أن عليا كان من معجزات الرسول -عليه الصلاة و السلام - كما كانت العصا من معجزات موسى -عليه السلام -،و إحياء الموتى من معجزات عيسى -عليه السلام - [11] . والدليل الثالث هو أن الشيعي ابن النديم - صاحب الفهرست - كشف لنا أمر الواقدي دون التباس، فقال عنه: كان يتشيع حسن المذهب، يلزم التقية [12] .و قد جعله الشيعة من مؤلفيهم [13] .

ومنهم أيضا الضحاك بن عثمان، صدوق [14] . و محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري (نحو:52 - 124هـ) : ثقة، متقن، مُدلس، كثير الإرسال، إرساله كالريح، حدث عن أقوام ولم يسمع منهم [15] . وهو هنا لم يُصرّح بالسماع. وآخرهم: ثعلبة بن أبي مالك: وثقه العجلي وابن حبان [16] . لكن توثيقهما لا يُعول عليه إذا انفردا به عن غيرهما من النقاد. فهما مشهوران بالتساهل في التوثيق.

وبذلك يتبين أن كل تلك الأسانيد المتعلقة بمعارضة عبد الله بن مسعود لتوحيد المصاحف زمن عثمان بن عفان، أنها أسانيد غير صحيحة، ولم يصح منها ولا إسناد واحد.

وأما من ناحية المتن، فهو أيضا لا يصح بدليل الشواهد الآتية: أولها مفاده إنه واضح من تلك الرواية بطرقها الكثيرة أنها نصت على أن ابن مسعود عارض ما فعله عثمان بن عفان في توحيده للمصاحف، وفي تكليفه لزيد بن ثابت بأن يتولى توحيدها. وهذا لا يصح لأن إسناد هذه الرواية بكل طرقها لم يصح، وهذا يُضعف المتن لأنه يُفقده المصدر الصحيح الذي

(1) ابن حجر: تهذيب، ج9 ص: 325.

(2) الحديث الغريب هو الذي انفرد بروايته راو واحد. محمود الطحان: المرجع السابق، ص: 27.

(3) الذهبي: السيّر، ج 9 ص: 462.

(4) نفس المصدر، ج 9ص: 463 - 464.

(5) الذهبي: السير، ج9 ص: 457، 462.و ابن أبي حاتم: الجرح و التعديل، ج8ص: 20.

(6) الذهبي: نفس المصدر، ج9 ص: 469.

(7) ابن أبي حاتم: المصدر السابق، ج8 ص: 20.

(8) ابن حجر: السان، ج3 ص: 13.

(9) ابن أبي حاتم: الجرح و التعديل، ج8ص: 20.و الذهبي: السيّر، ج9 ص: 455، 462، 463، 464.

(10) الذهبي: نفس المصدر، ج9ص: 461.

(11) ابن النديم: الفهرست، بيروت، دار المعرفة، 1978، ج 1ص: 144.

(12) نفسه، ج1 ص: 144.

(13) أغا برزك: الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج 2 ص: 240.

(14) الذهبي: ميزان الاعتدال، ج 3 ص: 286.

(15) ابن حجر: تهذيب التهذيب، ج 8 ص: 332. و أبو زرعة العراقي: كتاب المدلسين، ط1، دار الوفاء، 195، ص: 89 و ما بعدها.

(16) ابن حجر: تهذيب، ج 1ص:16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت