الصفحة 144 من 593

يقوم عليه. ولأنه مردود برواية أخرى ضعيفة سبق ذكرها نصت صراحة على أن ابن مسعود كان رافضا فكرة توحيد القراءات أصلا، قبل أن يقترحها حذيفة على الخليفة عثمان بن عفان. وبما أن الروايتين مختلفتين، فكل منهما يرد قول الآخر من جهة. وبما أنهما ضعيفتان إسنادا ومتنا، فلا واحدة منهما صحيحة من جهة أخرى.

والشاهد الثاني مضمونه أن معارضة ابن مسعود المزعومة هي بنفسها شاهد دامغ على بطلان الحكاية من أساسها. لأنه لا يُوجد مُبرر صحيح من الشرع ولا من العقل لذلك الرفض. مع أن ما قام به عثمان هو أمر إيجابي ومحمود لا يصح أن يغيب عن مسلم يحب الخير لأمته. وليس ابن مسعود هو الوحيد الغيور على دين الإسلام، وإنما كل الصحابة كانوا غيورين عليه. وبما أن الأمر كذلك، فهو أمر لا يغيب عن صحابي جليل كابن مسعود، ولا يصح أن تُنسب إليه تلك المعارضة المزعومة.

والشاهد الثالث مفاده أنه لا يصح أن يخرج ابن مسعود عن إجماع الصحابة في المدينة على توحيد المصاحف، وليس هو أغير منهم على الإسلام. وقد شاورهم عثمان -رضي الله عنه- ووافقوه على ذلك، فعمله هذا ليس عملا فرديا، وإنما هو عمل جماعي صحيح، لا يصح ولا يحق لابن مسعود أن يُخالفه، وحاشا أن يُخالفهم. وبما أنه رُوي عنه أنه خالفهم، فهذا شاهد على ضعف الرواية وتهافتها، بل وعدم صحتها. بدليل أن قراءته هي من ضمن القراءات التي أقرها الصحابة في توحيدهم المصحف المعروف بالمصحف العثماني. فالحكاية كلها مسرحية اختلقها محرفو التاريخ، لكنهم لم يُتقنوا أدوارها، ولا أحبكوا مشاهدها، فبقيت تحمل من داخلها شواهد بطلانها.

والشاهد الرابع مضمونه أن تلك الرواية تضمنت تبريرات ومعطيات باطلة لا يصح أن يقولها صحابي وعالم جليل كابن مسعود ولا أن تُنسب إليه. منها أنها زعمت أنه رفض طاعة عثمان بدعوى أنه لا يترك القراءة التي أخذها عن النبي- عليه الصلاة والسلام - ويأخذ بالمصحف الذي أشرف عليه زيد بن ثابت. وهذا تبرير باطل ومُضحك، لأن كل الصحابة أخذوا القرآن عن النبي-عليه الصلاة والسلام-،وليس ابن مسعود فقط. ولأن من الصحابة من هو أسبق من ابن مسعود في تلقي القرآن من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت