وباطل من جهة أخرى. صحيح بأن الصحابة لم يردوا عليه، ليس لأن ابن مسعود قال ذلك، وإنما أنه لم يقل ذلك أصلا، ومن ثم فبالضرورة لا يرد عليه الصحابة. وباطل لأنه ليس صحيحا أن ابن مسعود هو أعلم الصحابة، ولا كان الصحابة يعتقدون ذلك، وإنما الصحيح هو أنهم كانوا يعتقدون خلافه. بدليل الشاهدين الآتيين: الأول مفاده أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: (( أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقضاهم علي بن أبي طالب، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت ألا وإن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح ) ) [1] .
والثاني مضمونه أن أنس بن مالك قال: (( جمع القرآن على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- أربعة كلهم من الأنصار: أُبي، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد، وزيد بن ثابت ) ) [2] . فواضح من ذلك أن ابن مسعود لم يكن من بين هؤلاء، ولا كان الصحابة يعتقدون أن ابن مسعود هو أعلمهم. مما يعني أن ما نسبته تلك الرواية لابن مسعود باطل من أساسه!!.
ومنها أيضا أن تلك الرواية زعمت أن عبد الله ابن مسعود عارض ما فعله عثمان بن عفان في المصاحف معارضة شديدة وعلانية، وحث أصحابه على عدم حرق المصاحف عندما أمر عثمان بذلك. وكان أبو إسحاق السبيعي أحد الرواة الأساسيين لهذا الخبر. فإنه من جهة أخرى قد روى خبرا آخر نقض به خبر معارضة ابن مسعود لما فعله عثمان في المصاحف!!. وهذا الخبر رواه ابن أبي داود وصححه ابن كثير، ومفاده: (( قال ابن أبي داود: حدثنا عبد الله قال: حدثنا أحمد بن سنان قال: حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن مصعب بن سعد قال: «أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف، فأعجبهم ذلك، وقال: لم ينكر ذلك منهم أحد» ) ) [3] . فواضح من هذا الخبر أنه لا أحد من الصحابة عارض ما فعله عثمان في المصاحف، فأين حكاية معارضته المزعومة التي رواها السبيعي والأعمش وغيرهما؟؟!!.
ولاشك أن هذه الرواية هي الصحيحة التي تتفق مع الشرع وأخلاق الصحابة، ومع المنطق والمعطيات السابقة التي ذكرناها في انتقادنا لحكاية
(1) الألباني: صحيح ابن ماجة، رقم الحديث: 151، ج 1 ص: 31.
(2) البخاري: الصحيح، رقم الحديث: 3810، ج 5 ص: 37.
(3) ابن أبي داود: المصاحف، رقم الأثر: 33. ابن كثير: تفسير ابن كثير، ج 1 ص: 30.