الصفحة 147 من 593

معارضة ابن مسعود المزعومة. وبذلك يكون السبيعي روى الضعيف والصحيح من الأخبار، الأولى ضعيفة، بل وباطلة، والثانية صحيحة. لأنه ليس من شرط الراوي الضعيف أنه يروي الضعيف فقط، ولا من شرط الثقة أنه يروي الصحيح فقط. وإنما كل منهما يروي الصحيح والضعيف، والتحقيق العلمي هو الحَكَم الفصل.

ومن تلك المعطيات الباطلة أيضا أن تلك الرواية تضمنت طعنين خطيرين لا يصحان، وهما دليلان على عدم صحة حكاية المعارضة أصلا. الأول إنها طعنت في عبد الله ابن مسعود عندما ذكرت أنه خرج عن إجماع الصحابة، مع أن الشرع أمرنا باتباعهم في ذلك. ورفض توحيد الأمة على مصحف واحد، مع أن هذا أمر شرعي، وفيه خير كثير للأمة. وتَهجّم على زيد بن ثابت وتكلم فيه، مع انه كان أعلم منه في القراءات والرسم القرآني، وقد اختاره لذلك الشيخان قبل أن يختاره عثمان. وأنه خرج عن طاعة خليفة المسلمين الذي فرض الشرع علينا طاعته. وبهذا يكون ابن مسعود قد وقع في أخطاء فادحة حسب مزاعم تلك الرواة. وبما أن ابن مسعود كان صحابيا عالما صالحا، فلا يصح نسبة تلك الأخطاء إليه، وإنما هي شواهد دامغة ضد الرواية نفسها بأنها رواية مُختلقة، ففضحت نفسها بنفسها!!.

وأما الطعن الثاني فمفاده أن تلك الرواية طعنت في الصحابة عندما تركوا ابن مسعود الذي هو أعلمهم حسب زعمها، وكلفوا زيد بن ثابت بمهمة توحيد المصاحف مع أنه أقل علما من ابن مسعود على حد قولها!!. وهذا الزعم شاهد دامغ على بطلان الرواية من أساسها. لأن هذا الزعم لا يصح في حقهم، وهم من أحرص المسلمين على القرآن الكريم، وعلى ما ينفع المسلمين بشاهدة الشرع والتاريخ الصحيح. وعندما شاورهم عثمان فيمن يختارونه لأداء مهمة توحيد المصاحف اختاروا أقرأهم، فوجدوا زيد بن ثابت أقرأهم، ولو كان ابن مسعود أقرأهم لاختاروه، وما اختاروا زيدا. وبما أنهم فعلوا هذا فإن فعلهم كان صحيحا، وأن ما زعمته تلك الرواية كان باطلا، وان طعنها في ابن مسعود والصحابة هو دليل بذاته على بطلانها لا على صحتها.

والشاهد الخامس أن مما يُضعف تلك الرواية، بل ويُبطلها أنها روايات آحاد، مع أن الموضوع الذي ذكرته يتعلق بحادثة كبيرة وخطيرة، وكانت أمام كل المسلمين. تلك الرواية تدور أساسا على أربعة أو خمسة رواة ضعفاء كلهم من الشيعة، على رأسهم: أبو إسحاق السبيعي، والأعمش. وهذا شاهد دامغ على أن الحكاية مختلقة من أساسها، لأنها لو كانت حقيقية لرواها كثير من الرواة من مختلف الطوائف، بل لكانت وردت إلينا بالتواتر، كما وردت إلينا قراءة ابن مسعود بالتواتر، وهي من قراءات المصحف العثماني!!.

والشاهد السادس إن ما يُبطل حكاية معارضة ابن مسعود من أساسها هو أن تلك الرواية زعمت أن ابن مسعود رفض أن يقرأ بقراءة زيد بن ثابت، مع أن الحقيقة هي أن قراءة الإمام حمزة الكوفي الصحيحة التي هي من القراءات السبع هي قراءة مروية عن ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وعلي، وعثمان، وأُبي بن كعب- رضي الله عنهم-، تلقوها عن النبي-عليه الصلاة و السلام-، ونفس الأمر ينطبق على قراءة الإمام عاصم الكوفي [1] . فكيف تزعم الرواية أن ابن مسعود رفض أن يقرأ بقراءة زيد بن ثابت؟؟!!. أليس هذا دليل قطعي على بطلان حكاية المعارضة من أساسها؟؟!!.

الشاهد السابع مفاده أن مما يُضعف تلك الرواية ويشهد على أنها حكاية مُختلقة لتحقيق غايات مُخطط لها سلفا عن سبق إصرار وترصد، أنها تضمنت عبارات مشحونة بخلفيات مذهبية حاقدة على القرآن والصحابة قصد تحقيق أهداف هدامة ومغرضة. منها قولها: (( حين صُنع بالمصاحف ما صنع ) )، و (( تمزيق المصاحف ) ). فلماذا هذا التعبير المخالف للحقيقة، والمًبالغ فيه جدا؟؟!، مع أن الحقيقة هي أن الذي حدث لم يكن كذلك، ولا كان جريمة في حق المصاحف، وإنما كان في خدمة القرآن الكريم!!. فالمصاحف لم تًمزق، ولا حُرّفت، ولا أُهينت. فواضح من ذلك أنها رواية باطلة مشحونة بالمكر والدس، والتعصب ضد القرآن والصحابة لتحقيق غايات مذهبية ومصالح دنيوية.

والشاهد الثامن مضمونه إن مما يُبطل حكاية معارضة ابن مسعود لما فعله عثمان في المصاحف أنه سبق أن بينا أن الرواية بطرقها المتعددة لم تصح إسنادا ولا متنا من جهة، وأن الخبر الذي زعم أن ابن مسعود تراجع عن موقفه في معارضته لعثمان لم يصح من جهة أخرى. مما يعني أن

(1) السيد أحمد بن عبد الرحيم: أسانيد القراء العشرة: المرحلة الأولى، ص: 36، 43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت