حكاية المعارضة وتراجعه عنها باطلة من أساسها. بمعنى أن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه- لم يُعارض أصلا، ومن ثم لم يتراجع عن معارضته المزعومة، فعن ماذا يتراجع؟؟!!.
وأما الدليل على بطلان خبر تراجع ابن مسعود عن معارضته المزعومة فيتمثل في أني لم أعثر على أية رواية صحيحة ولا ضعيفة صرّحت أن ابن مسعود تراجع عن معارضته المزعومة لما فعله عثمان في المصاحف. وإنما كنت قرأت أن ابن مسعود تراجع عن موقفه، من ذلك قول الذهبي: (( وقد ورد أن ابن مسعود رضي وتابع عثمان ولله الحمد ) ) [1] ، لكنه لم يذكر أية رواية تدل على ذلك. وعليه فسأذكر الروايات التي قد يرى فيها بعض أهل العلم أنها تدل على تراجعه عن معارضته.
أولها لابن شبة، مفادها (( حدثنا عبد اللّه بن رجاء، وشريح بن النعمان قالا، حدثنا محمد بن طلحة، عن زبيد، عن عبد الرحمن بن عابس، عن رجل، عن ابن مسعود رضي الله عنه: أنه اجتمع إليه ناس من أهل الكوفةِ فقرأ عليهم السلامَ، وأمرهُم بتقوى الله، وألا يختلفوا في القرآن ولا يتنازعوا فيه فإنه لا يختلف ولا يَنْسَأن ولا يُتْفَه وقال ابن رجاء: يتغير لكثرة الرد، ألا ترون أن شريعة الإسلام فيه واحدة حدودها وفوائدها، وأمر الله فيها، فلو كان شيء من حرفين يأمر بشيء وينهى عنه الآخر كان ذلك الاختلاف، ولكنه جامع ذلك كله، وإني لأرجو أن يكون قد أصبح فيكم اليوم من الفقه والعلم من خير ما في الناس، ولو أعلم أحدًا تبلِّغُنِيه الإبلُ هو أعلَم بما أُنزل على محمد قال شُرَيح: مِنّي، ولم يقل ابن رجاء لطلبتُه حتى ازداد علمَه إلى علْمي، قد علمتُ أنَ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان يُعْرَض عليه القرآن كل عام مرَة، فعُرِض عليه عامَ قُبِضَ مَرَّتَيْن. إذا قرأتُ عليه فيخبرني أني محسن، فمن قرأ علي قراءتي فلا يدعَنَّها رَغْبَةً عنها، ومن قرأ علي شيء من هذه الحروف فلا يَدَعَنّه رغبة عنه فإنه من جَحَد شيئًا منه جَحَد به كلَه ) ) [2] .
وأقول: هذا الإسناد لا يصح، لأن من رجاله: عبد الله بن رجاء بن عمر الغداني البصري (219 أو 220 هـ) ، قيل فيه: صدوق، ثقة، كثير الغلط والتصحيف ليس بحجة [3] .
(1) الذهبي: سير أعلام النبلاء، تحت إشراف شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ج 1 ص: 434.
(2) ابن شبة، تاريخ المدينة المنورة، ح 2 ص: 175.
(3) الذهبي: المغني في الضعفاء، رقم: 3168، ج 1 ص: 338.