الصفحة 153 من 593

تراجعه، فالرواية كلها مُختلقة من أساسها، ولا وجود حقيقي لها في التاريخ الصحيح. وبهذا تسقط ما كانت تتضمنه تلك الروايات من إشارات وشواهد على أن القرآن الكريم قد أصابه التحريف. لأن هدفها الأساسي من حكاية معارضة ابن مسعود للمصحف العثماني كان الطعن في القرآن الكريم والتشكيك فيه. بدعوى أنه لم يتضمن كل القرآن الذي كان عند الصحابة الذين تلقوه عن النبي- عليه الصلاة والسلام-، وإنما تضمن قسما منه، ولم يتضمن القسم الذي انفرد به ابن مسعود. وبما أننا سبق أن بينا بطلان تلك الروايات إسنادا ومتنا فإن ما تضمنته من مزاعم وأباطيل وسموم، هي شواهد أخرى على بطلانها بالضرورة.

وربما يُقال: إن مما يشهد على تراجع ابن مسعود عن معارضته لما فعله عثمان في المصاحف، هو أن قراءة ابن مسعود هي من بين القراءات الصحيحة التي أقرها المصحف العثماني.

وأقول: هذا اعتراض لا يصح، وقائم على تغليط، أو على سوء فهم. لأن الصحيح هو عكس هذا القول بدليل الشواهد الآتية: أولها إنه سبق أن بينا بطلان الروايات التي زعمت أن ابن مسعود عارض ما فعله عثمان في المصاحف. والثاني إنه ذكرتُ أني لم أجد أية رواية صرحت بأن عثمان تراجع عن معارضته المزعومة. ومن جهة أخرى بينا عدم صحة الروايات التي ربما يُقال بأنها تدل على تراجع ابن مسعود عن معارضته.

والثالث لم أعثر على أية رواية صحيحة ولا ضعيفة تدل على أن الصحابة الذين وحدوا المصاحف ووزعوها على الأقاليم عادوا مرة أخرى وألحقوا بها قراءة ابن مسعود. مما يعني أن قراءته كانت أصلا من بين القراءات الصحيحة، وأن ما يُنسب لابن مسعود من معارضة باطل أصلا!!.

والشاهد الأخير-الرابع- مفاده أنه من الثابت والمعروف أن قراءتي الإمامين عاصم وحمزة الكوفيين هما من بين القراءات التي أقرهما المصحف العثماني، وهما مرويتان عن ابن مسعود، وعلي، وعثمان، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وعمر بن الخطاب- رضي الله عنهم- [1] . وهذا يعني أن قراءته كانت مُعتمدة منذ البداية، وأن ابن مسعود ما عارض ولا تراجع.

(1) أنظر مثلا: السيد بن أحمد بن عبد الرحيم: أسانيد القراء العشرة: المرحلة الأولي، ص: 36 وما بعدها، و 40 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت