ومنها أيضا أنه من الثابت أن المصحف العثماني هو منسوخ من المصحف البكري الذي جمعه زيد بن ثابت بأمر من أبي بكر الصديق- رضي الله عنهما- وهو يتضمن سورة الفاتحة. وقد جمعه كله من النصوص الأصلية التي كُتبت بأمر من الرسول-صلى الله عليه وسلم-، ولم يعترض عليه أحد من الصحابة، لا ابن مسعود ولا غيره. وهذا يعني أن الفاتحة هي من القرآن الكريم، ولو لم تكن كذلك ما جُمعت مع القرآن الكريم.
واستنتاجا من ذلك يتبين أن كل الصحابة والمسلمين كانوا يعلمون أن الفاتحة من القرآن ويصلون بها، وأنها هي فاتحة الكتاب وأم القرآن، ولا يُمكن أن تكون فاتحة الكتاب وأمه وليست منه!!. وبما أن الأمر كذلك، وابن مسعود كان يعيش بين المسلمين، ومن المقربين للنبي-عليه الصلاة والسلام- فلا يصح، ولا يُعقل، ولا يُمكن أن يكون ابن مسعود- الذي هو من أعلم الصحابة- لا يعلم أن الفاتحة من القرآن الكريم. وعليه فإن أية رواية تزعم انه لم يكن يعلم ذلك، أو أنه كان يُسقطها إنكارا لها فهي باطلة بالضرورة. وعليه فإن ما زعمته تلك الرواية بطريقيها من أن ابن مسعود كان ينكر كون الفاتحة من القرآن هو زعم باطل، وأنها رواة مكذوبة لم تصح إسنادا ولا متنا.
والرواية الثانية- الأخيرة- مضمونها أن المفسر القرطبي قال: (( فالجواب ما ذكره أبو بكر الانباري قال: حدثنا الحسن بن الحباب، حدثنا سليمان بن الاشعث، حدثنا ابن أبي قدامة، حدثنا جرير، عن الأعمش قال: أظنه عن إبراهيم قال: قيل لعبد الله بن مسعود: لم لم تكتب فاتحة الكتاب في مصحفك؟ قال:"لو كتبتها لكتبتها مع كل سورة"قال أبو بكر: يعني أن كل ركعة سبيلها أن تفتتح بأم القرآن قبل السورة المتلوة بعدها، فقال: اختصرت بإسقاطها، ووثقت بحفظ المسلمين لها، ولم أثبتها في موضع فيلزمني أن أكتبها مع كل سورة، إذ كانت تتقدمها في الصلاة ) ) [1] .
هذه الرواية لم تصرح بأن ابن مسعود أنكر كون الفاتحة من القرآن ونصت صراحة على أنه لم يكتبها في مصحفه، وذكرت تبرير ذلك. لكنها أيضا لا تصح إسنادا ولا متنا، ولا يصح نسبة ذلك على إلى ابن مسعود.
(1) القرطبي: تفسير القرطبي، دار عالم الكتب، الرياض، 1423، 2003، ج 1 ص: 114 - 115.