فأما إسنادا فلا يصح لأن من رجاله: ابن أبي قدامة: لم أعثر له على ترجمة، ولا على حال، وعليه فالراجح أنه مجهول. وجرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزدي أبو النضر البصري (ت 170هـ) قيل فيه: ثقة، ليس به بأس، ضعيف عن قتادة حدث عنه بأحاديث مناكير، كثير الغلط، حدث عن بعض الرواة ولم يسمع منهم، نسبه يحيى الحماني إلى التدليس [1] . فالرجل لم يثبت توثيقه، وهو مدلس، وهنا قد عنعن، فالإسناد لا يصح من جهته.
والثالث: الأعمش سليمان بن مهران، ضعيف، ومدلس، وهنا قد عنعن. وقد سبق أن فصلنا حاله، فلا نعيد ذلك هنا. والرابع: (( أظنه عن إبراهيم ) ).الظاهر أنه إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي أبو عمران الكوفي (ت 96 هـ عن نحو 50 سنة) . لكن يبقى النص يحتمل راويا آخر، لأن الأعمش قال ذلك ظنا لا يقينا. وعليه فالإسناد منقطع من جهة إبراهيم هذا. وإذا تأكدنا أنه إبراهيم النخعي، فهذا الرجل قيل فيه: ثقة [2] ، مدلس كثير الإرسال، مُتمكنا جدا من التدليس، حتى أنه كان يُتعجب منه في قدرته على ممارسته [3] . وقد روى عن أناس لم يسمع منهم حرفا [4] . وعده ابن قتيبة من رجل الشيعة [5] . و جعله الشيعة من رجالهم [6] . وذلك السلوك هو من مظاهر ممارسته للتقية. فالرجل مجروح، وهو هنا قد عنعن، ولم يلحق بابن مسعود المتوفى سنة 32هـ، فالنخعي لم يُكن ولد أصلا. فالخبر لا يصح لانقطاعه وضعف بعض رجاله.
وبذلك يتبين من الأسانيد الثلاثة السابقة أن رواة خبر إسقاط ابن مسعود للفاتحة من مصحفه هم آحاد، وخبرهم لم يصح بأسانيده الثلاثة. ولا يُعقل، ولا يصح أن يكون أن ابن مسعود أسقط الفاتحة من مصحفه ولا يروي فعله هذا إلا واحد أو اثنان، وإنما يجب أن يرويه عدد كبير من الناس بأسانيد صحيحة، لأن فعله هذا لو كان صحيحا لتوافرت الهمم على نقله والاهتمام به، نظرا لخطورته وغرابته وشذوذه. فلو حدث لوصلنا الخبر متواترا، أو مُستفيضا على الأقل. وبما أن هذا لم يحدث دلّ على أن الخبر مُختلق، افتراه محرفو التاريخ.
(1) ابن حجر: تهذيب، ج 1 ص:48. و العلائي: جامع التحصيل، ص: 153.
(2) ابن حجر: التقريب، د 1 ص: 69.
(3) أبو سعيد العلائي: جامع التحصيل في أحكم المراسيل، ط2، عالم الكتب، بيروت، 1986، ص: 104. و السيوطي: أسماء المدلسين، ط1، دار الجيل، بيروت، ص: 27.
(4) الذهبي: ميزان الاعتدال، رقم: 252، ج 1 ص: 65.
(5) المعارف، ص: 139.
(6) أبو جعفر الطوسي: رجال الطوسي، رقم: 477، ج 1 ص: 83، و رقم: 1073، ج 1 ص: 175.