واضح من ذلك أيضا أن هذه الرواية هي نموذج للخداع والتلاعب، لتمرير الأكاذيب ومحاولة التغطية وتخفيف المعارضة، وتحقيق الهدف بطريقة ماكرة. لأن الأولى ذكرت صراحة أن ابن مسعود أسقط الفاتحة والمعوذتين، والثانية نصت على أنه أسقطها منه وبررت فعله بالسفسطة والتدليس!!!!.
وخلاصة ما ذكرناه: إن القول بأن ابن مسعود كان ينكر كون سورة الفاتحة من القرآن هو قول باطل من أساسه، وليس أنه كان يقول به ثم تراجع عنه. لأنه لم يثبت تاريخا ولا شرعا أن ابن مسعود كان ينكر كون الفاتحة من القرآن. وإذا قيل: ربما قال ذلك من باب الخطأ، فلما تبين له أنه أخطأ تراجع عنه.
فأقول: هذا الاحتمال لا يصح، لأنه أولا سبق أن بينا أنه لم يصح الخبر الذي زعم أن ابن مسعود اتخذ ذلك الموقف من سورة الفاتحة. وثانيا إنه لا يصح أبدا افتراض ذلك الاحتمال، لأنه إن كان مُمكن الحدوث من الناحية النظرية المجردة، فإنه لا يصح افتراض حدوثه في الواقع العملي، فهو مستحيل الحدوث. لأن ابن مسعود كان من المقربين من النبي- عليه الصلاة والسلام-، ومن السابقين الأولين الذين دخلوا في الإسلام، وكان يصلي مع المسلمين في كل أوقات الصلاة، و يسمعهم يقرؤون الفاتحة في الصلوات ومن المصاحف. وبما أن الأمر هكذا فإنه يستحيل أن يكون ابن مسعود لا يعرف أن الفاتحة من القرآن الكريم.
وحتى إذا فرضنا جدلا أنه أخطأ في موقفه من الفاتحة، فإن هذا لا يدوم طويلا، ولن يبقى ابن مسعود يقول ذلك حتى خلافة عثمان، وإنما سيتبين له بسرعة بأنه أخطأ في موقفه، فيتبين له ذلك بسؤال النبي- عليه الصلاة والسلام- والصحابة، وبما يراه ويسمعه من قراءة المسلمين للفاتحة.
ثانيا: نقض الروايات القائلة بإنكار ابن مسعود كون المعوذتين من القرآن:
وردت في المصادر السنية روايات كثيرة نصت صراحة على أن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- كان ينكر كون المعوذتين من القرآن ويحكهما من مصحفه. مما يعني-حسب تلك الروايات- أن القرآن قد تعرض للتحريف بإدخال فيه سورتين ليستا منه!!.