للتحريف بإدخال المعوذتين فيه وهما ليستا منه. فهل ما زعمته هذه الروايات صحيح؟؟!!.
إنه لا يصح متنا ولا إسنادا، فأما متنا فقد تضافرت الشواهد الشرعية والتاريخية والعقلية على أن ما زعمته تلك الروايات باطل، بل ومُستحيل أن يصدر ذلك عن صحابي جليل وعالم كبير كابن مسعود!!. وتفصيل ذلك فيما يأتي بدليل الشواهد التالية:
أولها مفاده أنه سبق أن أقمنا الأدلة الشرعية القطعية بأن القرآن الكريم تولى الله تعالى حفظه، وأنه كتاب مُحكم لا يأتيه الباطل أبدا. وبما أن الأمر هكذا، وأن القول بأن المعوذتين ليستا من القرآن يُناقض ذلك، فلا يُمكن أن يكون ابن مسعود يعتقد أن القرآن الكريم قد أدخلت فيه المعوذتان وهما ليستا منه. لأن هذا الاعتقاد هو نقض صريح لما نص عليه القرآن الكريم من أنه لا يُمكن أن يدخله التحريف.
والشاهد الثاني مضمونه هو أن وجود المعوذتين في المصحف البكري يعني أن زيدا عندما جمع المصحف كانت المعوذتان من بين سوره، وقد جمعهما من النصوص الأصلية التي أمر النبي- عليه الصلاة والسلام- بكتابتها، ومن صدور الصحابة. وبما أنه لم يثبت أن صحابيا ولا ابن مسعود اعترض على المصحف البكري [1] . فهذا يعني أن الجميع أجمعوا على أن المعوذتين من القرآن الكريم منهم ابن مسعود. وبهذا تسقط حكاية إنكار ابن مسعود كون المعوذتين من القرآن الكريم.
وبما أن المعوذتين كانتا مكتوبتين في النسخ الأصلية التي أمر النبي-عليه الصلاة والسلام- بكتابتها، فهذا يعني أن الصحابة نسخوا منها المعوذتين في مصاحفهم. منهم ابن مسعود، بحكم أنه كان قريبا جدا من النبي-عليه الصلاة والسلام- وكان مُتفرغا للعلم، وكان من أعلم الصحابة بالقرآن الكريم. ورجل هذا حاله لاشك أنه رآهما مكتوبتين في النسخة الأصلية، أو في مصاحف الصحابة، أو سمعهم يتلونها حفظا أو قراءة من المصحف، ومن ثم يتأكد من قرآنيتهما إن سلمنا جدلا أنه لم يعلم بكونهما من القرآن. وإلا فإنه من الناحية العملية لا يُمكن أن يغيب عنه ذلك. وهذا
(1) البخاري: الصحيح، حققه محمد زهير الناصر، ط1، دار طوق النجاة، 1422هـ، ج 6 ص: 71 رقم: 4679. السيوطي: الإتقان، رقم لأثر: 769، ج 1 ص: 149.