يعني أيضا أن الذين اختلقوا روايات إنكار قرآنية المعوذتين ونسبوها إلى ابن مسعود أخطؤوا في اختيارهم له.
والشاهد الثالث مفاده أنه قد قام الدليل القطعي على أن قراءة ابن مسعود لم تكن تختلف عن قراءة كبار قراء الصحابة، كأبي بن كعب، وعلي، وعثمان، وزيد بن ثابت- رضي الله عنهم- بدليل أن قراءتي عاصم وحمزة الصحيحتين اللتين أقرهما المصحف العثماني كان هؤلاء من بين الصحابة الذين رووا هاتين القراءتين. وبما أنهما تضمنتا سورتي الفاتحة، فهذا يعني بالضرورة أن ابن مسعود لم يكن ينكر كونهما من القرآن الكريم.
والشاهد الرابع مضمونه أنه صحت أحاديث نبوية تتعلق بالمعوذتين، تشهد بنفسها على أن كون المعوذتين من القرآن كان أمرا معروفا وثابتا بين الصحابة من جهة، وأن النبي-عليه الصلاة كان يقرأهما في صلاته بالمسلمين من جهة أخرى. مما يعني أنه لا يُمكن أن يكون ابن مسعود لا يعلم بقرآنيتهما. منها: عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-:"ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم يُر مثلهن قط:"قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ"و"قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ" )) [1] ."
ومنها عن عقبة بن عامر قال: بينا أنا أقود برسول الله- صلى الله عليه وسلم- في نَقب من تلك النقاب، إذ قال لي:"يا عقبة، ألا تَركب؟". قال: فَأجْلَلْتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أن أركب مركبه. ثم قال:"يا عُقيب، ألا تركب؟". قال: فأشفقت أن تكون معصية، قال: فنزل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وركبت هنيهة، ثم ركب، ثم قال:"يا عقيب، ألا أُعلمك سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس؟". قلت: بلى يا رسول الله. فأقرأني: " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ"و"قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ " ثم أقيمت الصلاة، فتقدم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقرأ بهما، ثم مر بي فقال:"كيف رأيت يا عقيب اقرأ بهما كلما نمت وكلما قمت")) [2] .
ومنها عن عقبة بن عامر قال: (( أمرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن أقرأ بالمعوذات في دبر كل صلاة ) ) [3] . و منها عن عقبة بن
(1) مسلم: الصحيح، ج 2 ص:200، رقم: 1927.
(2) الحديث صححه شعب الأرناؤوط. أحمد بن حنبل: المسند، ج 4 ص:144، رقم:17335.
(3) الحديث حسنه شعب الأرناؤوط. أحمد بن حنبل: المسند، ج 4 ص:155 رقم:17453.