الصفحة 172 من 593

أنها ليلة سبع وعشرين. فقلت: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر قال بالعلامة أو بالآية التى أخبرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها )) [1] .

واضح من ذلك أنه بسبب ذلك التشابه الكبير بين الروايتين في الإسناد والحادثة في إطارها العام، فمن المُستبعد جدا أن يكون الأمر يتعلق بحادثتين مُنفصلتين، وإنما هي حادثة واحدة. وعليه فإن الأمر لا يخلو من: إما أن تكون رواية المعوذتين هي الصحيحة، وإما أن تكون رواية ليلة القدر هي الصحيحة، وإما أن تكون الحادثة بموضوعيها باطلة كليةً. فالبنسبة للاحتمال الأول فلا يصح، لأنه لم يصح إسنادا ولا متنا، وهذا بينا جانبا منه، وسنذكر الباقي فيما يأتي من جهة. وهذا يشهد أيضا على أن هذه الرواية تلاعب بها محرفو التاريخ من جهة أخرى.

وأما الاحتمال الثاني، فمن الممكن أن يكون هو الصحيح، لأن المتن عادي ولا غبار عليه، فجاء المحرفون وأخذوا الرواية بإسنادها وإطارها العام وملؤوه بأكذوبة إنكار ابن مسعود قرآنية المعوذتين. لكن مع هذا يبقى إسناد ليلة القدر فيه نظر وكلام، وسيتبين لنا هذا لاحقا عندما نُحقق الأسانيد. وأما الاحتمال الأخير-الثالث- بأن تكون الحادثة كلها مُختلقة فهو مُستبعدة نظرا لسلامة متن رواية ليلة القدر من جهة، لكنه يبقى واردا أيضا لما ذكرناه من أن أسانيد الروايتين فيها نظر. لكن الذي يهمنا هنا هو أن هذه الرواية بموضوعيها قد تلاعب بها محرفو التاريخ. وأن رواية إنكار ابن مسعود قرآنية المعوذتين لم تصح، وأنها هي التي اختلقها المحرفون.

وعلى أقل تقدير فإن الذي ذكرناه هو شاهد قوي على أن الرواية تعرضت للتحريف بالزيادة والنقصان. وهذا إن لم يُبطلها، فإنه يُشكك فيها بقوة، ويرفع عنها الصحة ويجعلها معلقة لا هي صحيحة ولا هي ضعيفة. ومن ثم فستبقى معلقة ولا يُؤخذ ولا يُحتج بها، حتى تثبت صحتها بالدليل الصحيح، وهذا غير متوفر بين أيدينا، وإنما المتوفر هو لهدمها وتقويضها لا لتصحيحها وتقويتها.

(1) مسلم: الصحيح، ج 3 ص: 173، رقم: 2834.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت