خلاف ولا التباس بين الصحابة، ولا كانوا يجتهدون لمعرفة سوره، وإنما كان أمرها واضحا لا لُبس فيه. لأن نبي الله -عليه الصلاة والسلام- كان ما إن ينزل عليه الوحي إلا ويأمر كُتابه بتدوينه، ويُبلغه لأمته، لأن الله تعالى كلفه بذلك، وقال له: (( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (المائدة: 67 ) )، و (( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (الحجر: 94 ) ). فذلك التعليل باطل، ولا يصح، وتنطبق عليه مقولة: (( رُب عذر أقبح من ذنب ) ).
كما أنه لا علاقة نفي بين التعوذ بهما ونفي كونهما من القرآن، وبين عدم التعوذ بهما وكونهما من القرآن. والدليل على ذلك، وعلى عدم صحة ذلك الزعم أن النبي- عليه الصلاة والسلام- لم يكن يتعوذ بالمعوذتين فقط، وإنما كان يتعوذ أيضا بسورة الإخلاص (( قل هو الله أحد ... ) ) [1] . ومعروف أيضا بين المسلمين أن سورة الإخلاص هي أيضا من المعوذات. فلماذا لم ينكر ابن مسعود كون سورة الإخلاص من القرآن مع أنها من المعوذات؟؟. ولماذا لم يغب عنه ذلك كما غاب عنه حال المعوذتين حسب زعم تلك الروايات؟؟. وإذا قيل: إنه سمع النبي-عليه الصلاة والسلام- والصحابة يقرؤون سورة الإخلاص، فتأكد منها. فأقول: هذا مُحتمل وصحيح، لكنه ينطبق أيضا على المعوذتين أيضا، فقد كان هؤلاء يقرؤون المعوذتين في الصلوات، ومن المصاحف. فلماذا زعمت تلك الروايات أنه أنكر كون المعوذتين من القرآن ولم تُلحق بهما سورة الإخلاص؟. لا جواب صحيح، مما يعني أن حكاية إنكار ابن مسعود قرآنية المعوذتين ما هي إلا خرافة، اختلقها محرفو التاريخ لغايات في نفوسهم.
والشاهد الأخير- العاشر- مضمونه إن تلك الروايات صرحت أن معارضة ابن مسعود لتوحيد المصاحف، وإنكاره للفاتحة والمعوذتين حدثت زمن حلافة عثمان. وهذا شاهد دامغ على بطلانها، لأنه لو كان ابن مسعود يعتقد ذلك لظهر عليه في العهد النبوي، ولوجد الحل أمامه، ولظهر ذلك عليه أيضا في خلافة أبي بكر وعمر، ولتبين من الأمر بسهولة. وبما أن هذا لم يحدث فهو شاهد دامغ على أن تلك المعارضة المزعومة مُختلقة افتراها محرفو التاريخ. لأنه لا يُمكن أن يكون ابن مسعود يُنكر قرآنية
(1) البخاري: الصحيح، ج 6 ص: 190، رقم: 5017.